
اليوم 19 : عيد الأعياد… يا قدس قادمون !!
ميخائيل عوض / لبنان
في لحظاتٍ نادرة من التاريخ، كالتي نعيشها اليوم تتحول الحروب إلى علامات فاصلة بين زمنين: زمنٍ يحتضر، وآخر يتشكل في رحم الألم. ما نشهده اليوم ليس تصعيدًا عسكريًا عابرًا، بل تراكمٌ تاريخي بلغ لحظة الانفجار، حيث تتقاطع الجغرافيا مع العقيدة، والسياسة مع الرمزية، والواقع مع ما يشبه النبوءة.
لا تُفهم الحرب بوصفها حدثًا منفصلًا، بل كجزء من دينامية كونية لإعادة إنتاج العالم. من مضائق النفط إلى خطوط النار، ومن اهتزاز مراكز القوة إلى ارتباك القرار الدولي، تتكشف معالم تحوّلٍ عميق لا يمكن قراءته بأدوات التحليل التقليدي.
لكن ما يضفي على هذه اللحظة خصوصيتها ليس فقط عنف الصراع، بل تزامنها مع تقاطع رمزي–زمني نادر، حيث تتلاقى أعياد كبرى مثل عيد الفطر وعيد الفصح والنيروز، في مشهد يبدو وكأنه يعكس، على مستوى الرمز، ما يجري على مستوى الواقع: ولادة عالم جديد عبر مخاض حرب يوم القيامة.
*أولًا: الحرب كـ “لحظة ولادة” لا كصراع عسكري*
من هنا ملاحظة فكرة مركزية وهي أننانحن لا نعيش حربًا عادية، بل مخاض ولادة دورة زمنية جديدة.
البنية الفكرية تقوم على ثلاث طبقات:
*الطبقة الجيوسياسية:*
صراع على موازين القوى بين محور تقوده أمريكا و”إسرائيل” بلغ شيخوخته وأقصى درجات إجرامه وتوحشه، في مقابل محور صاعد تقوده إيران في حربها المباشرة اليوم، تحرر فيه المضائق وتفرض معادلات النهاية للوجود الأمريكي بالنار وتضع الحلفاء على بنود تفاوضها المستقبلي، وتعطي فرصة لعملة الصين ونفط وغاز روسيا للتحرر من العقوبات والحصار، وتختصر طريق الألف ميل الذي قادته حركات النضال والتحرر الصادقة في منطقتنا للزحف إلى القدس.
*تحولات في مراكز السيطرة* عبر تغيير قواعد الهيمنة إلى صيغة التحرر لكل من (الخليج – المضائق – الطاقة – القواعد).
*الطبقة التاريخية:*
التاريخ يسير في دورات زمنية تمتد إلى (2000–3000 سنة تقريبًا) وكل دورة تنتهي بانفجار كبير (حروب كبرى) وتولد عالما” جديدا” باتت البشرية كلها اليوم بحاجة إليه بعد ما شهدته من اضطهاد وتوحش النظام القديم.
*الطبقة الفلسفية/الميتافيزيقية:*
الحروب ليست عبثًا بل “أداة توليد ألم و مخاض متعسر ثم ولادة الجديد.
*ثانيًا: تقاطع الأعياد كإشارة رمزية–تاريخية*
واحدة من أكثر الأفكار تميزًا في تزامن الأعياد عند المسيحية والاسلام واليهودية بأنها إشارة كونية تعلن فيها الأرض أنها تنتظر الخلاص والتحرر وميلاد العدل.
إن تزامن الأعياد الدينية الكبرى ليس صدفة بل مؤشر تحولي
أسبوع يجتمع فيه:
(عيد الفطر،عيد الفصح،
عيد الفصح اليهودي،النيروز) ليس تصادفا” عارضا” بل اصطفاف نادر لحركة الكون في لحظة التغيير الكبرى.
كل هذه الأعياد تتمحور في رمزيتها حول: الولادة،القيامة،
والتجدد. وبالتالي تزامنها هو تزامن “رمزي” لإعادة ولادة البشرية .
الزمن الديني بدلالة الزمن الزراعي حيث عيد النيروز المرتبط بالاعتدال الربيعي وميلاد الحياة بعد شتاء قاسي وكذلك مسارالزمن الكوني
لنصل إلى استنتاج أننا أمام لحظة “تاريخ–رمز” حيث تتلاقى المادة (الحرب) والرمز (الأعياد) والزمن (الدورات) بالحتمية التاريخية أو بما يسميه المؤمنون رميات الله بقدر التغيير والانتقال لزمن جديد وعالم جديد.
*ثالثًا: مركز التحول – القدس كعقدة كونية ومركز التغيير*
“عيد الأعياد سيكون في القدس” فالقدس هنا ليست مجرد مدينة محتلة، بل نقطة تقاطع الأديان، ورمز الشرعية التاريخية، وهي بالضرورة
مؤشر نهاية مرحلة وبداية أخرى.
المعنى الاستراتيجي أن من يحرر القدس لا يربح جغرافيًا فقط
بل يحدد سردية العالم القادم
فالقدس بما تحمله من رمزية عقائدية وتاريخية وكونية هي مركز إعادة تعريف العالم الجديد.
*رابعًا: تحليل التحول العسكري – من المفاجأة إلى الحسم-إسرائيل أهم الأصول الأمريكية*
1. *مرحلة المفاجأة:*
بعد صدمة الضربة الامريكية الإسرائيلية التي استهدفت رأس القيادة كان دخول إيران المباشر
وتهديد مضيق هرمز
واستهداف “الأصول الأمريكية” مفاجأة خارج حسابات المعتدي.
2. *مرحلة تثبيت المعادلات:*
فشل التقدم الإسرائيلي في لبنان وتراجع الأهداف من “الحسم” إلى “إجراءات محدودة” جعل مسار المعركة من الساعات الأولى يتجه لفشل تحقيق أهداف الحرب وحتمية هزيمة المعتدي الذي بدأ يعمل دون خطة وأهداف باستثناء الاغتيالات والتدمير.
3. *مرحلة الاستنزاف:*
رتابة العمليات واللعب على عامل الزمن والنفس الطويل سمح لإيران وحلفائها
بإعادة تجميع القوى والمبادرة والإرباك.
4- *استهداف الأصول الأمريكية نقطة التحول الكاسرة*
إن ورقة القوة الإيرانية في الحرب المتمثلة باستهداف
“الأصول الأمريكية”
ويشمل:
– الأنظمة الحليفة
– القواعد العسكرية الأمريكية في كل المنطقة.
– “إسرائيل” كأهم أصل وهذه الالتفاتة الخطيرة في أن أي استهداف مهما بلغ حجمه وتأثيره يبقى فاقد الفاعلية والأثر ما لم يستهدف إزالة الأصل الأهم وهو الكيان الإسرائيلي المصنع.
*خامسًا: جزيرة خرچ – مفتاح الطاقة العالمي*
إن تركيز ترامب على استهداف جزيرة خرچ ليس تفصيلا” لأنها تمثل مركز تصدير النفط الإيراني ولترامب أطماع فيها منذ الثمانينات عندما كان مجرد رجل أعمال
وبالتالي أي تهديد لها يعني تهديد لسوق الطاقة العالمي
وبالقراءة الاستراتيجية استهدافها يعني نقل المعركة إلى شرايين الطاقة
وليس فقط الجبهات العسكرية
ما يجعل الحرب تتجه نحو
حرب بنى تحتية عالمية.
*سادسًا: سقوط “الهيبة الإسرائيلية”*
إن الأداء الحكومي في الداخل اللبناني المرتهن والمأجور للإسرائيلي ماذا يستطيع أن يفعله الإسرائيلي وما الذي يعول عليه أولئك الواهمين بحمايته؟ عبر مقارنة تاريخية
لما حصل في اجتياح لبنان 1982 ووصول الإسرائيلي إلى بيروت ثم ماذا؟ تراجع وانسحب وخلع عملاءه والمتآمرين على أوطانهم كالحذاء.
واليوم يظهر عجز عن التقدم ميدانيًا، ومظاهر التراجع واضحة من تقليص الأهداف و
فشل الوحدات النخبوية
والانتقال من الهجوم إلى الدفاع والتصريح الرسمي الإسرائيلي الذي يقول أن هدف الحرب على لبنان هو ضمان تراجع خطر حزب الله عن مستوطنات الشمال.
في هذا التراجع مؤشرات واقعية ميدانية على
تحول إسرائيل من قوة حسم إلى قوة مأزومة بوجه المقاومة التي فاجأت الجميع.
*سابعًا: مفهوم “اللاعب الثالث” في الحرب*
واحدة من أهم العوامل الاستراتيجية التي نركز عليها في قراءة مسارات أي حرب هي أن الحرب لا يديرها الطرفان المتحاربان فقط بل هناك اللاعب الثالث يمكن تفسيره بثلاث مدارس:
– *دينيًا:* رميات الله. وأحيانا هو إبليس الذي يكمن في التفاصيل غير المرئية للباحث القاصر الرؤية
– *فلسفيًا:* قوانين التاريخ وحتمياته في كل دورة زمنية.
*ماديًا:* “الظرف الموضوعي” وحاجات الأزمنة وميزان القوى الاستراتيجي.
فهناك دائمًا في الحروب والصراعات عنصر غير متوقع
غير محسوب وحاسم ومغير في توازنات القوى وعوامل النصر والهزيمة وبالتالي نتائج الحرب.
*ثامنًا: لبنان نموذج الانفجار القادم*
إن حالة الاحتقان الداخلي عند شريحة واسعة من الشعب اللبناني سيما بيئة المقاومة التي تعرضت خلال خمسة عشر شهرا” إلى كل أشكال التنكيل والاضطهاد.
والفشل السياسي الذريع لحكومة الأمير المزيف التي ارتهنت بالكامل لصالح المشروع الأمريكي والإسرائيلي في لبنان.
مما يعني ان احتمالات انفجار اجتماعي باتت أكثر ترجيحا” في وقت قريب.
وبالتالي لبنان سيكون مختبر التحول أو ضحيته الأولى.
*تاسعًا: البعد النفسي – إدارة الخوف والطمأنينة*
ما يجري ليس مواجهة عسكرية فقط، إنما مجريات الواقع تفرض
أداة تعبئة نفسية عند البيئة المقاومة، وإعادة بناء الثقة بالمشروع المقاوم وأنه الحل الوحيد لاستعادة سيادة وعزة لبنان والمنطقة. وهنا يوجه
رسائل واضحة:
لا تخافوا فالحسم حصل
ولا تنخدعوا فالحرب مستمرة ولن تتوقف إلا عن إنجلاء واضح لمشهد مهزوم تغيب شمسه وربما للأبد ومنتصر يسود لا بد أن نعمل ليكون هو صاحب الحق والعدالة، استعدوا فالقادم أكبر.
إذا كانت الحروب تُقاس بنتائجها المباشرة، فإن هذه الحرب تُقاس بما هو أبعد من الميدان.بما ستتركه من أثر في بنية العالم نفسه. فالمعطيات التي تتراكم من عجز القوة التقليدية، إلى صعود الفاعلين الجدد، إلى انتقال المعركة نحو مفاصل الطاقة والاقتصاد — تشير بوضوح إلى أننا أمام تحول بنيوي لا رجعة فيه.
لم تعد المسألة تتعلق بتقدم دبابة أو تراجع جبهة، بل بـ:
تفكك منظومة الهيمنة القديمة
واهتزاز مركز القرار الغربي وبالتالي إعادة تعريف القوة خارج النموذج الكلاسيكي.
وفي قلب هذا التحول، تبرز القدس لا كرمز ديني فحسب، بل كـ مؤشر على إعادة توزيع المعنى والشرعية في العالم القادم. فالتاريخ، حين يعيد ترتيب نفسه، يبحث دائمًا عن مركزٍ جديد، والقدس — بما تمثله من تقاطع حضاري — تبدو مرشحة لتكون عنوان المرحلة المقبلة.
أما على مستوى الإقليم، فإن ما كان يُعتبر ثوابت — من أنظمة، وحدود، وتوازنات — يدخل طور التآكل. كيانات تتفكك، وأخرى تولد، وقوى كانت هامشية ستتحول إلى فاعل مركزي. في هذا السياق، تبقى الحقيقة الأعمق أن الحروب الكبرى لا تُنتج فقط خرائط جديدة، بل وعيًا جديدًا:
وعيًا بطبيعة الصراع
ووعيًا بحدود القوة
ووعيًا بأن التاريخ لا يسير بخط مستقيم، بل عبر صدمات كبرى
إن تزامن الميدان مع الرمز — الحرب مع الأعياد، الدم مع فكرة الولادة — ليس تفصيلاً عابرًا، بل قد يكون الإشارة الأكثر عمقًا إلى أن البشرية تقف على أعتاب دورة زمنية جديدة.
وعليه، فإن ما نعيشه اليوم ليس نهاية معركة…
بل بداية سردية.
سردية قد تُكتب بالنار الآن،
لكنها ستُقرأ لاحقًا كـ لحظة انتقال كبرى في تاريخ البشر.
فحين تتقاطع الأزمات مع الرموز،وتبلغ القوة ذروة ارتباكها،
فلنعلم أن العالم القديم يلفظ أنفاسه الأخيرة…
وأن الجديد، مهما تأخر، قد بدأ يولد بالفعل.
🖋 ميخائيل عوض