رؤي ومقالات

طه خليفه يكتب :الهاشم ليس وحده ..!

قيل إن النيابة العامة في الكويت استدعت الكاتب فؤاد الهاشم، بشأن مقال يتضمن إساءة للشعب المصري.
لكن، هل المسؤولية عن نشر المقال البذيء تقع وحدها على كاتب المقال، أم تشمل المسؤول عن المطبوعة، أو الموقع، الذي سمح بالنشر؟.
هل الهاشم أرسل المقال، أو ذهب بنفسه لتسليمه للمطبوعة، أو الموقع، وأمرهم بنشره، وكان عليهم التنفيذ، دون النظر في المقال، ومراجعته، وتقرير صلاحيته للنشر من عدمه، أو الطلب من الكاتب إجراء بعض التعديلات فيه، إذا أراد التعديل، ليكون مناسباً للنشر، أو رفض النشر إذا لم يرغب في التعديل.
للأسف، في الأفلام والدراما المصرية يقع المؤلفون وكتاب السيناريو في خطأ ساذج، إذ عندما يستقبل رئيس التحرير، كاتباً، أو محرراً، ويخبره بأنه جاء بالمقال، أو حصل على خبر مهم، أو أعد موضوعاً قوياً، فإن رئيس التحرير هذا قد لا يكلف نفسه قراءة ما بين يديه من أوراق، أو حتى النظر فيها، بل يقول له: إذهب فوراً إلى المطبعة، أنا حجزت لك صفحة كاملة، أو نصف صفحة.
هذا تهريج، فلا يحدث شيئ من هذا مطلقاً.
المادة الصحفية، سواء كانت مهمة، أم قليلة الأهمية، فإنه يتم مراجعتها في تراتبية معروفة داخل كل جريدة، حيث تبدأ من محرر إعادة الصياغة، إلى رئيس القسم، ثم مرحلة تالية من سكرتير التحرير التنفيذي، إلى مدير التحرير، وفي الأخير رئيس التحرير.
ليس بالضرورة أن يقوم كل هذا العدد بمراجعة كل مادة، إنما ليس هناك أبداً أن يقول مسؤول تحرير لكاتب، أو محرر، أو رئيس قسم: إذهب للمطبعة.
في عام 1991، كنت شاهداً على المطبعة في مؤسسة الأهرام، حيث لم يكن مسؤول المطبعة الأسطى محمد السيد – الذي لا تخرج قصاصة ورق منها إلا بإذنه – لم يكن يسمح لأحد بالتواجد في المطبعة إلا بتفويض من رئيس تحرير المطبوعة المتعاقدة مع المؤسسة.
المطابع ليست سداحاً مداحاً، ولم يكن محمد السيد يعطي إشارة بدء دوران الماكينات للطباعة إلا بعد تصفح النسخ الأولى التجريبية والاطمئنان لجودة الألوان والصور ونقاء الصفحات.
وكنت في هذا الوقت، قبل 36 عاماً، مفوضاً من رئيس التحرير، (جريدة مصر الفتاة)، بالتواجد في المطبعة، وإعطاء هذه الإشارة على مسؤوليتي.
فلا شيء يتم عبثاً في صناعة الصحافة، بل كل صغيرة وكبيرة فيها تخضع لضوابط مشددة، لأن الكلمة بعد نشرها تكون مثل رصاصة انطلقت من فوهة مسدس، أو بندقية حيث لا يمكن إعادتها، وقد تقتل.
كذلك، وأنا في السنة الرابعة بكلية الإعلام (1988)، كنت اتدرب على الإخراج الصحفي في جريدة السياسي المصري، ومن استقبلني ورحب بي في قسم الإخراج الأستاذ محمد السخاوي، ولما قضيت فترة من الوقت، واطمأن لقدرتي على متابعة العدد في المطبعة، فإنه كلفني عدة مرات بمراجعة النسخ التجريبية، وإعطاء إشارة الطباعة.
وبالنسبة لمقالات الرأي، وهى صفحة، أو صفحات مهمة وشائكة، وهى بحاجة لشخص كفء بدرجة كبيرة للإشراف عليها، ذلك أن كلمة واحدة أو عبارة في مقال يمكن أن تتسبب في مشكلة للجريدة، أو تصنع أزمة بين دول أو شعوب، كما فعل مقال فؤاد الهاشم.
طوال 20 عاماً كنت مسؤولاً مباشراً، بل وحيداً، عن صفحات الرأي، والمقالات المتفرقة في الصفحات المختلفة بجريدة خليجية.
وكان هذا عمل جانبي لي ضمن مسؤوليات أخرى عديدة، فالعمل هناك ليس رفاهية، بل شقاء، خاصة في الإعلام حيث الحسابات السياسية كثيرة ومتشعبة ومعقدة، ومساحة الحرية والتسامح ضيقة جداً، والغلطة تكلفتها غالية.
ولم يكن مقال يمر من نفسه، أو لأن كاتبه، أو كاتبته، له اسم كبير، أو صاحب حظوة، أو قيمة خاصة، أو شهرة واسعة، بل تتم المراجعة الدقيقة، وحتى ما بين السطور كان يتم التوقف عنده.
ليس فؤاد الهاشم وحده الذي يجب مساءلته، بل من قرر النشر أيضاً، خاصة وأن البذاءة مقصودة في المقال، فهى ليست مجرد إشارة عابرة، كما أن تعمد إهانة المصريين متكررة منه.
وهو عموماً سليط القلم، وقد أهان دولاً وأنظمة وشعوباً عديدة، وربما يظن أن هذه شجاعة، أو بطولة، أو أنه هيكل الكويت والخليج، والكاتب الأستاذ محمد حسنين هيكل كان مهذب العبارة، ويلدغ دون أن يسيء أو يهين. أسلوب الهاشم في الكتابة جميل، وتسلسل العبارات وتدفقها عنده متميز، ومقالاته المحترمة ممتعة، لكن لديه فائض من الألفاظ والأوصاف المسيئة التي لا تضيف له، بل تخصم الكثير منه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى