
لا يشعر بالنار إلا مَنْ قبض عليها، طالما كانت هذه الجملة مجرد حكمة نرددها ، حتى جاءت تلك اللحظات التي ارتجت فيها جدران بيوتنا، وانكسر الهدوء بصافرات الإنذار. في تلك الدقائق، لم تكن الانفجارات مجرد أصوات بعيدة أو أخباراً عابرة، بل كانت اهتزازات تسكن القلب، وشظايا تتساقط على بعد خطوات، لتخبرنا أن المسافة بين الأمان والخطر ليست أميالاً، بل هي مجرد أمتار قليلة أو بضع ثوانٍ فارقة.
كما قال: مارتن هايدجر الخطر الحقيقي حين يقترب، فإنه ينزع عن العالم قناع الزيف. ففي مواجهة الخوف ، تذوب صغائر الأمور وتتكشف لنا الحقيقة ؛ ندرك حينها فقط كم هي غالية وبسيطة هذه الحياة .
ندرك في تلك اللحظات أنه لم يعد ما يمر به من هم تحت الحصار والدمار على مدار أعوام مجرد مأساة نشاهدها بحزن وأسى خلف الشاشات، بل صار وجعاً إنسانياً نشعر به ونعيشه .
حين تهتز الأرض تحت أقدامك، ويرتجف قلبك تدرك حجم البطولات والتضحيات التي يعيشها ضحايا الحروب يومياً. كيف لإنسان أن يتحمل هذا العذاب لسنوات؟ وكيف لقلب أن ينبض أو يفرح وسط هذا الخوف؟ لقد لامسنا طرف الخوف الذي يسكنهم، فصار تعاطفنا معهم أشد شعور حقيقي يتقاسمه الجسد الواحد.
ما الذي اقترفته طفلة بريئة لتخطفها شظية وهي في أحضان أسرتها ومأمن سريرها؟ وما ذنب إنسان آمن في بيته أو عمله يؤدي واجبه لتنتهي حياته في لحظة غدر؟ إن رؤية الشظايا وهي تتساقط ، تضعنا أمام حقيقة قاسية: أن الحرب لا تُفرّق، وأن الموت فيها لا يعرف منطقاً ولا رحمة.
وسط هذا الضجيج، نكتشف كم هي هشة هذه الحياة، وكم نحن متمسكون بها رغم كل شيء. نتساءل ما الهدف من كل هذا العنف؟ وكيف تحول مصير البشر إلى مجرد أرقام في حسابات عصابات قرروا العبث بمستقبل البشرية؟
الحرب مدمرة، لكنها في المقابل توقظ فينا معاني إنسانية ؛التعاطف، الشعور بالآخر، والتمسك بالحق في حياة آمنة .الحرب ليست مجرد كاسب و خاسر، بل هي أرواح بشر أنا وأنت وهؤلاء الأطفال هم أبنائي وأبنائك
إن هذه التجربة، رغم قسوتها، تنزع عنا رداء الغفلة وتوقظ الضمير فينا. إن إرادة الحياة تجعلنا نقدّر قيمة اللحظة التي نقضيها في أمان، وتدفعنا لرفض الحرب والتضرع إلى الله بقلوب صادقة أن يحفظ بلادنا وأولادنا وأمننا من كل سوء ، وأن يرحم كل نفس رحلت بلا ذنب ، وأن يتغمد الشهداء بواسع رحمته.