رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :قراءة هادئة في رواية “الإنقاذ” بين الحقيقة والدعاية

ما حدث في الساعات التالية لإسقاط الطائرتين الأمريكيتين ليس “فضيحة إيرانية” ولا “معجزة أمريكية”، بل مشهد مركب يحمل في طياته نقاط قوة وضعف لكل طرف، الموضوعية تقتضي تفكيك هذا المشهد إلى عناصره الأساسية، دون رفع أي طرف إلى سماء البطولة أو إلقائه في هاوية الذل.
ما حدث فعلياً (بقدر ما هو معلن)
سقوط طائرتين أمريكيتين (F-15E و A-10) في منطقة، قريبة من السواحل الإيرانية.
قيام القوات الأمريكية بعملية إنقاذ جوي وبحري سريعة، نجحت في استعادة الطيارين.
عدم قدرة القوات الإيرانية على اعتراض عملية الإنقاذ أو أسر الطيارين.
نقاط قوة أمريكية يجب الاعتراف بها
1. سرعة رد الفعل: إدارة العمليات العسكرية الأمريكية أثبتت، مرة أخرى، قدرة لوجستية وتنسيقية عالية في بيئة معادية. هذا ليس جديداً، لكنه يبقى إنجازاً.
2. تفوق في الحرب الإلكترونية والاستخبارات: تنفيذ عملية إنزال (جوي أو بحري) دون كشف أو اعتراض ناجح يشير إلى تفوق ميداني لحظي في مجال التشويش والاستطلاع.
3. جاهزية قوات الإنقاذ القتالية (CSAR): هذه الوحدات تدربت لعقود على سيناريو “خلف خطوط العدو”، والنتيجة أظهرت فعالية هذا التدريب.
نقاط ضعف إيرانية لا يمكن تجاهلها
1. فجوة في الردع الجوي: عدم القدرة على منع طائرات الإنقاذ من العمل فوق مناطق تعتبرها إيران مجالاً جوياً حساساً، هو مؤشر حقيقي على وجود ثغرات في التغطية الدفاعية.
2. بطء رد الفعل الأرضي: سواء كان الإنزال في البحر أو على شريط ساحلي، فإن غياب قوات إيرانية قادرة على الوصول إلى موقع الطيارين أولاً، يطرح أسئلة حول إنذار مبكر أو تمركز دفاعي.
3. فشل في استغلال الفرصة الذهبية: أسر طيار أمريكي حي هو ورقة ضغط هائلة في أي مفاوضات. عدم تحقيق ذلك هو خسارة استراتيجية واضحة، بغض النظر عن الظروف.
القراءة المتوازنة: لماذا ليست “فضيحة” ولا “نصراً”؟
لماذا ليست فضيحة إيرانية بالمعنى المطلق؟
لأن إيران أثبتت قبل أيام فقط قدرتها على إسقاط طائرات أمريكية متطورة، وهو ما لم تستطعه دول كثيرة.
لأن المنطقة التي حدث فيها الإنزال (شريط ساحلي/جزر) هي بيئة عمليات معقدة تمنح المهاجم ميزة الحركة والبحرية.
لأن غياب تأكيدات رسمية عن خسائر إيرانية بشرية يعني أن الرواية عن “عشرات القتلى” قد تكون مبالغاً فيها.
لماذا ليست نصراً أمريكياً بالمعنى المطلق؟
لأن الحاجة إلى عملية إنقاذ أصلاً تعني أن أمريكا فقدت طائرتين وطيارين، وهذا خسارة وليس انتصاراً.
لأن استمرار قدرة إيران على إسقاط الطائرات الأمريكية يعني أن التفوق الجوي الأمريكي ليس مضموناً.
· لأن العملية الناجحة لا تمحو السؤال الاستراتيجي الأكبر: “كيف وصلت طائراتنا إلى هذا الموقف الخطير أصلاً؟”
لكن الإشكالية لا تبدأ عند “العملية، بل عند الرواية”.
حين تتحول التفاصيل إلى مشهد شبه سينمائي: تمشيط شامل، عشرات القتلى، انسحاب نظيف بلا إصابة واحدة… هنا يجب أن يتوقف المحلل، لا ليكذّب، بل ليفكك. لأن هذا النمط من السرد، في صراعات كبرى، غالباً ما يكون جزءاً من هندسة الإدراك بقدر ما هو نقل للواقع.
هل يكفي اختراق واحد لإسقاط صورة قوة؟
التاريخ العسكري لا يُقرأ بهذه الطريقة الخطية.
اختراق تكتيكي حتى لو كان عميقاً لا يعني بالضرورة انهيار منظومة دفاعية كاملة، ولا “إذلال دولة”. الجيوش لا تُقاس بقدرتها على منع كل ضربة، بل بقدرتها على امتصاصها، والتكيّف بعدها، والرد بشكل يعيد التوازن.
وإذا كان البعض يميل إلى توصيفات حادة من نوع “نمر من ورق”، فإن الواقع أكثر تعقيداً. الدول التي تبني قدراتها على أنماط ردع غير تقليدية (صواريخ، شبكات إقليمية، تكتيكات لا متماثلة) لا تُقاس بمنطق الهشاشة أو الصلابة المطلقة، بل بقدرتها على البقاء داخل معادلة الصراع رغم الضربات.
هناك فرق دقيق لكنه حاسم بين “الإذلال” و”التعرية”.
الإذلال يعني فقدان القدرة، أما التعرية فتعني انكشاف حدودها.
ما قد تكشفه مثل هذه العمليات ليس سقوط طرف، بل حدود سيطرته المطلقة على المجال. كما تكشف في المقابل استمرار قدرة الطرف الآخر على تنفيذ عمليات جراحية دقيقة. لكن بين هذين الحدين، تبقى الحقيقة الأوسع: لا أحد يملك السيطرة الكاملة.
المعركة الحقيقية: في الإدراك لا في الجغرافيا
المفارقة أن مثل هذه الروايات تُخاض أساساً خارج الميدان.
المعركة هنا ليست فقط حول طيارين تم إنقاذهم، بل حول “الصورة” التي تُزرع في وعي المتلقي:
هل ما زالت القوة قادرة على الضرب أينما تشاء؟
أم أن الخصم قادر على الصمود رغم الاختراق؟
في هذا المستوى، كل طرف يضخم ما يخدمه، ويُخفي ما يضرّه. وهنا تحديداً، يفقد الخطاب الحاد قيمته التحليلية، لأنه يتحول من قراءة للواقع إلى محاولة لتثبيته في اتجاه واحد.
بين ضجيج الانتصار وصمت المعنى
قد تكون هناك عملية ناجحة.
وقد تكون هناك خسائر.
وقد تكون هناك مبالغة إعلامية.
لكن المؤكد أن تحويل حدث واحد إلى “دليل قاطع” على إذلال دولة بحجم إيران، أو إثبات تفوق مطلق لـالولايات المتحدة، هو اختزال مخلّ بمشهد أكثر تعقيداً بكثير.
نحن، مرة أخرى، أمام الفجوة ذاتها:
بين ما يحدث… وما يُقال إنه حدث.
وفي هذه الفجوة تحديداً، لا ينتصر من يطلق النار فقط، بل من ينجح في كتابة القصة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى