
انحسر الضوءُ عن الغرفة، تاركاً وجه “عزيز” غارقاً في وهج الشاشة الأزرق. كانت أصابعه تضرب لوحة المفاتيح بحدَّة، تغرس المفردات في بياض الصفحة؛ نصالاً تخلّف شظاياها خلف ستائر الحواري العتيقة، وتقتفي أثر جدائل النساء اللواتي يغسلن وجه الفجر بالعرق. اتكأ إلى الخلف في كرسيه الجلديّ، وعيناه مسمّرتان فوق عداد الإعجابات الذي يهرول صعوداً، كأنه يرمِّم به هيبةً تتآكل.
في زقاقٍ ضيِّق بالدرب الأحمر، مالت “زينب” بجسدها لتوازن صينيَّة النحاس فوق رأسها. انزلقت قطرة عرقٍ مالح من جبينها، استقرَّت على الرصيف المتشقِّق لحظةً، قبل أن يمحوها طرف شالها الأسود الخشن. لم يصلها ضجيج اللايكات ولا ألقابه الرنَّانة. مرَّت بجوار كشكٍ للصحف، لمحت صورته تتصدَّر غلافاً تحت عنوانٍ عريض: “سقوط القلم”؛ أكملت طريقها، عدّلت وضع الشال ببراعة، وتابعت خُطاها الوئيدة، تاركةً خلفها صدى قبضتها القويَّة وهي تتشبَّث بحواف الصينيَّة.
رنَّتِ الهواتفُ في مكتبه؛ كانت الشاشة تضيء بأسماءٍ تنسحبُ تباعاً، وقوائم مراسلين تفرغ من محتواها كأنَّها رمال تسرَّبت من ساعة رمليَّة محطَّمة. نهض بصعوبة ونظر إلى المرآة؛ رأى رجلاً يرتدي حلَّةً فاخرة، ينضح فمه برائحةٍ عجزت عطور باريس عن لجم نتنها. عاد إلى طاولته، أمسك بقلمه بآليَّة الغريق، أراد أن يخطَّ سطراً واحداً يُرمِّم به انكساره، يدافع به عن قلعته الورقيَّة. ضغط برأس القلم على بياض الصفحة، تحشرج الحبر في العروق المعدنيَّة، وتردَّد المدادُ كأنه يرفض أن يكون شاهداً على زورٍ جديد. ومع اشتداد قبضة يده المرتجفة، سُمع طنينٌ خفيّ، صرخةٌ مكتومةٌ لمعدنٍ يُحتضر، ثمَّ انقسم السنُّ نصفين؛ لم ينكسر القلمُ فحسب، بل شقَّ الورقة كأنَّه نصلٌ يطعن جسد الحقيقة، مُخلِّفاً خدشاً غائراً لا يُمحى، ونقطة حبر سوداء تمدَّدت كبقعة دمٍ فوق كفنٍ أبيض.
من شرفته العالية، كان النيلُ يغسلُ أقدام العابرين بصمتٍ ويجري. عاد إلى الداخل، وبضغطةٍ واحدة انطفأت الشاشة. غاصت الغرفة في ظلامٍ دامس؛ لم يتبقَ فيه سوى رائحة حبرٍ مرّ، ونصلٍ مكسورٍ يرتطم بقاع الصمت.
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي