تقارير وتحقيقات

كيف تتنفّس السعودية ومصر من اختناق هرمز؟

كتب:هاني الكنيسي
لفت انتباهي التزامن بين ما نشرته ‘فاينانشال تايمز’ البريطانية وصحيفة ‘ذا ناشونال’ الإماراتية (باللغة الإنجليزية) اليوم الإثنين، حول موضوع واحد في جوهره، وإن اختلفت زوايا المعالجة وتفاصيل السرد. والحقيقة أن التقريرين يلتقيان عند الإجابة على سؤال محوري، ملخصه في عنوان هذا المنشور.
تستفيض الصحيفتان في شرح كيف أن السعودية في سياق محاولتها احتواء تداعيات تعطّل الملاحة في مضيق هرمز على اقتصادها النفطي، سارعت إلى اغتنام فرصة استراتيجية لإعادة رسم خريطة تجارة الطاقة والنقل في المنطقة، عبر تفعيل “ممر بري بحري” بديل يربط أوروبا بالخليج مرورًا بالبحر الأحمر ومصر، كما يضع مشروع ‘نيوم’ في قلب هذه المعادلة الجديدة.
شلل هرمز المحاصر أمريكيًا وإيرانيًا، والذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، دفع الرياض إلى التوجه بثقلها نحو بناء “جسر بري-بحري” متعدد الوسائط، يبدأ من الموانئ الأوروبية، مرورًا بالموانئ المصرية على البحر الأحمر -لا سيما دمياط وسفاجا والعين السخنة- ومنها تنتقل على متن عبارات وشحنات ROPAX إلى ميناء نيوم على الساحل الغربي للمملكة، قبل إعادة توزيعها عبر مسار بري ينتهي في المرافئ السعودية على الخليج العربي لتصل بعدها مباشرةً إلى الكويت والعراق والبحرين وقطر والإمارات وعُمان.
الجدوى الاقتصادية لهذا الممر الجديد لخصها إعلان رسمي يوم 15 أبريل، في عبارة: “أوروبا – مصر- نيوم- الخليج: طريقك الأسرع” Europe- Egypt- NEOM- GCC: your faster route. وقد أكدت التقارير أنه “قيد الاستخدام بالفعل” من وإلى مستوردين في إيطاليا وبريطانيا وألمانيا وبولندا.
ووفقًا لخبراء سعوديين، فإن المسار البري البحري يقلّص زمن الشحن بين أوروبا ومنطقة الخليج بمقدار النصف؛ أو من نحو 10–12 يومًا إلى 4–6 أيام فقط.
كما أن هذا الممر يمنح طوق نجاة لمشروع نيوم الأكبر، الذي واجه خلال السنوات الأخيرة مصاعب تتعلق بالتمويل، في ظل ضخامة تكلفته وتباطؤ بعض مراحله التنفيذية. ولذلك، استثمرت السعودية مؤخرا أكثر من 7.5 مليار ريال في تطوير الميناء لرفع طاقته التشغيلية إلى 1.5 مليون حاوية.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية التي التقطتها شركة الأبحاث Planet Labs حركة مرور كثيفة لشاحنات البضائع في ميناء نيوم الذي تقول السلطات إنه يعمل بكامل طاقته الآن. وبالتوازي، نقلت السعودية جزءا كبيرا من صادرات النفط الخام إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب يمتد من الشرق إلى الغرب، تم إنشاؤه في ثمانينيات القرن الماضي.. وكشفت بيانات مجموعة ‘كيبلر’ البحثية أن صادرات ميناء ينبع الغربي تضاعفت أربع مرات منذ فبراير (أكثر من 29 مليون برميل أسبوعياً).
سياسيًا، سيعزز هذا التوجه موقع السعودية كمركز لوجستي إقليمي مستقل داخل سوق الطاقة العالمية، بعيدًا عن اختناقات مضيق هرمز وتوترات الخليج (مثل انسحاب الإمارات المباغت من منظمة أوبك)، إلا أنه سيزيد من “تنافسية” الأدوار بين بعض دول الخليج التي قد ترى فيه إعادة توزيع لحركة التجارة بعيدًا عن الموانئ التقليدية في الإمارات أو سلطنة عُمان.
وعلى مستوى جيوسياسي أعمق، تحمل هذه الخطوة رسالة إلى طهران، مفادها أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز “لن يشل الجيران في المنطقة”. فكل توسع في بدائل البحر الأحمر يعني تقليصًا تدريجيًا لورقة الضغط الإيرانية، ونقلًا لجزء من الثقل التجاري بعيدًا عن “ضيق” الخليج. مع الأخذ في الاعتبار أن هذا المسار البري البحري لن يحل محل هرمز بالكامل، خاصة في تجارة النفط الخام، لكنه يعيد توزيع المخاطر ويمنح السعودية قدرة أكبر على المناورة في أوقات الأزمات.
أما مصر، فتبدو أحد أكبر المستفيدين من هذا التحول. إذ توضح ‘فايننشال تايمز’ أن إدماج الموانئ المصرية في هذا الممر الجديد يمنح القاهرة دورًا محوريًا في سلاسل الإمداد العالمية والإقليمية، وهو ما قد يعوّض التراجع في إيرادات قناة السويس. ومع امتلاك مصر طاقة تخزينية تُقدّر بنحو 29 مليون برميل في موانئها، تصبح قادرة على استقطاب أنشطة التخزين وإعادة التصدير، ما يتيح لها تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر دخل مضاف، بدل الاعتماد الحصري على رسوم العبور.
وطبعًا سيتوقف نطاق “المكاسب” السعودية والمصرية من هذا المشروع الطموح -في المدى القصير- على إمكانية منع إيران من تفعيل “وكيلها الحوثي” في اليمن لتهديد الملاحة في البحر الأحمر إذا ما تعرضت لعدوان أمريكي جديد. كما سيرتهن استمراره -على المدى الأطول- برضا البيت الأبيض وسيده البرتقالي الذي يشترط دائمًا أن يكون “شريكًا” في أي ربح (بمبدأ “فيها لخفيها”)، وربما برضا طفلته الاحتلالية المدللة التي تعتبر نفسها جزءا من أي ترتيب إقليمي، سواءً كان سيعود بالدولارات أو بالوبال والدمار على هذه المنطقة “الإبراهيمية” الكيوت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى