كتاب وشعراء

قَلَقُ اليمَامْ.. شعر: عباس محمود عامر – مصر

أنا غَريبٌ فِي بلادِي
هَلْ أكُونْ..؟
أنَا غَرِيبٌ..؟
لمْ أكُنْ أنَا غَرِيبَاً
بيْنمَا قَلْبِي بسَاطٌ مِنْ صبَاحٍ
كَاسِيَاً قَاعَ المَدِينَةْ
وفِي عُرُوقِي فَلَكٌ للشَّمْسِ
تحْتَسِي عَلَى مدَارِهِ شَيْئَاً
فشَيْئَاً
منْ دِمَائِي
مثْلَ طَائِرِ اليمَامِ أتْقِنُ الطَّيْرَ
لأرْسُمَ الفضَاءَ لوْحَةً
أعْشقُهَا فِي قِمَمِ الوَلاءْ..

اليمَامُ فوْقَ سِدْرَةٍ
يأكُلُ مَا طَالَ بحَمْدٍ
فِي وَاحَةٍ تَأَنَّقَتْ أشْجَارُهَا
يحْكِي الرَّبِيعُ ظِلَّهَا
تصُونُهَا الأقْدَارُ بالأمْطَارِ
مِنْ أتْرِبَةِ الجِيرَانِ
مِنْ غَدْرِ الخَرِيفِ فِي سِجَالِهِ
لمْ تَسْلمْ الوَاحَةُ مِنْ غُوَايَةِ الجِرذَانِ
إذْ تَرَنَّحَتْ فِي فَوْضَوِيةِ الهُرَاءْ
فِي ذيْلِهَا تَرْفَعُ رَايَاتِ السَّوَادِ
تبْذُرُ الدَّاءَ بكُلِّ مَجْرَيَاتِ الأفْئِدَةِ
تلْفُظُهَا كُلُّ حوَايَا الأرْضِ
لكنَّ اليبَابَ سَيِّدُ البقَاءْ..!

يَا رَاعِىَ اليمَامِ
جِئْتَ خَافِيَاً فِي مَلَقٍ
تغْنِمُ مِنْ فَمِ اليمَامِ حَبَّةً
يَرْقُبُهَا فِي كُلِّ مَوْسِمٍ
لكَى تُعِيدَ نَبْتَهَا فِي السَّنوَاتِ المُجْدَبَةْ
جَلبْتَ أكْوَامَ الحُبُوبِ فِي وعُودٍ غَائِرَةْ
صَارَتْ كأسْمَاكٍ تجُوبُ اليَمَّ
سَارَعْنَا
لنَشْترِي الغَرَرْ
فقَاسَمَتْنَا عيْشَنَا بيَادِقُ السَّغَبْ..

يَا رَاعِىَ اليمَامِ
أنْتَ غَافِلٌ عَن الأحَابِيلِ
عَن الحِيَلْ
تغْفُو عَن الجرَادِ
والأشْوَاكِ
والخمَائِلِ المُدَبَبَةْ
كَمْ اسْتبَاحَتْ الثُّقُوبَ فِي أجْسَادِنَا
تَرَكْتَ خَلْفَ النَّبْقِ غِرْبَانَاً
طُعَامُهَا الزَّغَبْ
وتخْلِطُ الأوْرَاقَ كالحُوَاةِ
فِي غنَائِمِ الدِّمَاءِ
لمْ تُجَاوِلْ الغِرْبَانَ يَومَاً
أو تُصَوِّبْ النِّبَالَ نحْوَهَا
أو تَصْلِحْ الخَصَاصَ
هَلْ منَعْتَ فَخَّاً
أو عدَاءً
أو سَبَبْ..؟
يَا رَاعِىَ اليمَامِ لمْ تَجِبْ..!!

اليمَامُ لمْ يَعُدْ كمَا كَانَ
تقَطَّفَتْ ريَاشُهُ
تثَاقَلتْ أقْدَامُهُ
فنَامَ فِي شَوَارِعِ الغَضَبْ
واليبَابُ سَيِّدُ البَقَاءْ..!!

آهِ.. اليمَامُ يبْكِي أيْكَهُ
اليمَامُ فِي مخَالِبِ القَلَقْ
قَدْ يسْقطُ الدَّوْحُ
فيَهْجُرُ اليمَامُ عُشَّهُ
يطْلبُ اللِّجُوءَ بيْنَ أحْضَانِ الثِّلُوجِ
والعَرَاءِ
والأطْلالِ
والحَجَرْ
وأنْتَ رَاعِيَ اليمَامِ
تنْتَشِي أرْجَحَةَ الأغْصَانِ
فِي فَرَاشِكَ المَصُونِ تخْتَلِي
نَسَيْتَ غَشْيَةَ المَدِينَةِ التِي
تهَالكَتْ أكْبَادُهَا
بيْنَ نوَائِبٍ وأنْيَابٍ
ولمْ تُبَالْ
وأهْلُهَا الآنَ تيَبَّسَتْ جُفُونُهُمْ
تحْتَ بَلْسَمٍ يَجِفُّ مَاؤهُ
تُهَادِنُ المُحَالَ كَي يَلِيْنْ..

يَا رَاعِيَ اليمَامِ
مِنْ خَلْفَ سِتَارِ النَّافِذَةِ
هلْ تَرَى اليبَابَ..؟
أصْبَحَ الآنَ
عَلى الرَّبْوةِ يَحْكُمُ اللِّجَامَ فَارِسَاً
فِي عُنُقِ الغَابِ،
فصَارَ سَيِّدِي،
وسَيِّدَكْ ..!
اليبَابُ سَيِّدُ البَقَاءْ .. !!

ينْهَضُ اليَرَاعُ للدَّوْحِ الذِي هَوَى
أشْرِعَةٌ تَفُكُّ أزْرَارَ صُدُورِهَا
تصُدُّ سَوْءَةَ الرِّيَاحِ
والرُّعُودِ
والشَّرَرْ ..
أرَى اليمَامَ صَامِدَاً علَى صَوَارٍ
جَازَفَ بالرُّوْحِ
تسَلَّقَ الخَطَرْ
اليمَامُ يعْشَقُ الوَطَنْ
لكنَّهُ بَاتَ غَرِيبَاً
مثْلَمَا أنَا غَرِيبٌ فِي بلادِي …

شعر: عباس محمود عامر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى