كتاب وشعراء

أثر البحر …بقلم طاهر عرابي

يتسلّل إليَّ هذا الفزعُ

القادمُ من البحيرةِ الزرقاءِ،

المحصورةِ بين جبلينِ صامتين،

كأنَّهما منذ آلافِ السنين

يتأمّلان دهشةَ الماء،

والمطرُ يسقطُ لمواسمه

نصيرًا مؤنسًا،

وغائبًا في حتميّته.

الجمالُ الذي صنعه البحرُ

حين غضبَ ذاتَ مساء،

فارتطمَ بالصخورِ

ثم غادر،

تاركًا خلفه هذه البحيرةَ

كاعتذارٍ أزرق.

ذهب الموجُ،

وظنَّ الحضنُ الجبليُّ

أنَّه أنجبَ الماء،

ومطرٌ حلوُ المذاقِ

تلتهمه طحالبُ منسيّة.

والمطرُ يحملُ غايةً

تتخفّى في روعه،

انعكاسُ الغيمِ

زمردًا زاهيًا

في قلبٍ أزرق.

وعلى كتفِ الجبلِ

بيتٌ أبيض،

كأنَّه برقوقٌ برّيٌّ

نسي لونَه الأوّل.

نزل منه رجلٌ

كأنَّه خرج من صمتٍ قديم،

لا يفكّرُ

بطبقةٍ أخرى غير السكينةِ

المرتعشةِ من هولِ الحياة.

تلمعُ فوق رأسه قبعةٌ مثقَّبةُ الحواف،

كظلٍّ نجا من سوء الفكرة،

وقميصٌ تتبدّلُ ألوانُه

كلما لامسَ الهواءُ رطوبةَ البحيرة.

في ذروةِ سكونه،

يحدّق في الماء

كأنَّه يتذكّر نفسه،

ويكرّر حكايته

للأسماكِ الملوّنة.

كانت رماديّةً

بزعانفَ فضيّة،

تظهر وتختفي،

كأنّها مخلوقٌ تمرّس الفرار،

وهي تصارعُ الأمواجَ.

ثم صارت حمراءَ وصفراءَ،

ملطّخةً برمادِ أثرٍ لم يهدأ،

كأنّها تعلّمت أخيرًا

كيف تتصالحُ مع النكبة.

ما أصعبَ ألّا تعودَ إلى البحر،

أن ينسى الموجُ اسمَك،

وأنت تراقبُ الغيابَ

دون قدرةٍ على النداء،

وتدركُ أنَّ الألوانَ

حين تحاصرُك

تصيرُ حدادًا

مطلّيًا على رمادٍ يتّقد.

قال الرجل:

لا تبخلوا بالصدق.

سيعود الموجُ ما دامت الريح.

ويقولون إنَّ النجاةَ نهايةٌ،

لكنّها تصنعُ هيئةً أخرى للنهاية.

أتأمّل العاصفة معكم،

وأنتظرها أن تحملنا إلى البحر.

أمّا أنا…

فقد صرتُ شاهدًا،

وبدمٍ أزرقَ

لا يخونُ

ولا يساوم.

— مينوركا 21.05.2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى