رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : المجتمع الآخر

ـــــــــــ إن التافهين قد حسموا المعركة، ربحوا الحرب، وسيطروا على عالمنا وباتوا يحكمونه، لقد سيطر التافهون على العالم. ـــــ آلان دونو، نظام التفاهة.
لماذا تاخذ تصريحات سطحية تافهة لبعض مقدمات البرامج أو البلوكرات ومن على صورهما صدى واسعا لا يحظى به مثقف؟
ليست مشكلة حديثة بل هي قوة جاذبية الصورة المختصرة المغرية واقتصاد الانتباه السريع بدل مقالات المثقفين والمفكرين التي تتطلب تحليلاً وتفكيراً.
ما هو أفظع ان هذه التصريحات السطحية والتافهة تخلق انقساماً إجتماعياً بين مؤيد وبين رافض وبين صامت مما يعكس مستوى الهشاشة بحيث مثل هذا الكلام يخلق مثل هذا الاهتمام.
منذ الإسبوع الماضي انشغلت منصات التواصل في تصريح مقدمة برامج تقول إن السيادة في النظام السابق كانت موجودة ، وهو تفسير سطحي عابر لمعنى السيادة بل ان النظام السابق عبث بالسيادة من خلال حروب عبثية طائشة.
قيمة التصريح لا تأتي من محتواه بل من مصدره ولو قالته فلاحة أو بائعة في بقالية أو راهبة لما اهتم به احد لأن العقل التبسيطي يميل للانجذاب البصري أو ما يسمى تأثير الهالة كما أن التصريح المختزل مع صورة مغرية يجذب الانتباه أفضل من مقال عن قضية مصيرية يحتاج الى تحليل أو قد يكون مزعجاً ، والسرعة عامل حاسم في الانتباه وليست الحقيقة.
خلقت منصات التواصل ذوقاً رديئاً حول شروط النص في أن يكون ممتعاً وقصيراً لا يحتاج الى ذكاء بل الى عقل مستقيل يتصرف حسب قاعدة رد الفعل وسهولة الهضم خاصة اذا كان جماعياً يشارك فيه عدد كبير من الجمهور وتلك فرصة” للحمقى الذين يعرفون كل شيء عن أي شيء” للظهور والتعليق والاعجاب.
في حالة مثل هذه القيمة ليست في المحتوى بل في الانتشار خاصة اذا تناول قضية حساسة سريعة الاشتعال تثيرها إمرأة بشكل خاص في حين يقول مثقفون وعلماء وأساتذة جامعات ومربون أشياء كثيرة تخص الحاضر والمستقبل لا تلقى الاهتمام نفسه.
في تسعينات القرن الماضي أجاب الروائي المصري أدوارد الخراط عن اهمال النقاد له، فقال” من أين لنا بساقين جميلتين عاريتين نحن كتاب الرواية؟”. والخراط رائد التجديد في الرواية العربية وتيار الحساسية الجديدة.
كانت مقولته الساخرة انتقاداً مبكراً لثقافة الاستهلاك والصورة والاغراء على حساب جماليات الأدب والفكر والمعرفة وعن غروب ثقافة البحث عن قارئ شريك ورصين يبذل جهداً لقراءة النص وتكون القراءة كتابة ثانية وبزوغ عصر التفاهة في الفن والادب والزي والغناء والموسيقى والعلاقات السطحية.
بالتوازي مع التصريح السطحي للاعلامية عن السيادة في النظام السابق، لم يهتم قراء صفحات التواصل ولو بصورة سطحية بعودة الجنرال الامريكي ديفيد بترايوس لصناعة حاضر ومستقبل العراق كما اهتموا بتصريح مقدمة البرامج وذلك الاهتمام والاهمال يلخص لا مبالاة للمصير مقابل سلطة الجسد في وعي الحشود.
خلال فترة الانشغال بتصريحها عن السيادة كنت أتجول في صفحات التواصل ومقابلات مع ربات بيوت ومع بائعات ومع عمال شوارع بل حتى مع بعض المجانين والمتسولين وتسجيلات الشرطة عن لصوص وقتلة وفي مجالس عشائرية في المضايف لحل نزاعات وحتى فيديوات المقابر وقراءة ما يكتب على الشواهد وكل ما لا يقترب منه الخطاب السياسي والمنسي والمهمل والهامشي والمسكوت عنه واللامفكر فيه ومن خلال هذه التفاصيل المهملة وغيرها من مصادر اتضح ان المجتمع الحقيقي ليس ما يظهر وهذا سطحه بل ما لا يظهر والمختفي في القاع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى