
كتب:هاني الكنيسي
لسبب أو لآخر (ربما الانشغال بالدراما الإيرانية الأمريكية)، لم يحظ خبر مقتل القيادي البارز في ‘جبهة البوليساريو’ لحبيب محمد عبد العزيز، في بداية شهر يونيو الحالي، بما يستحقه من اهتمام إعلامي، رغم إعلان الجبهة الحداد الرسمي لثلاثة أيام ابتداءً من 3 يونيو.
إذ أنهت ضربة جوية دقيقة نفذتها طائرة مسيرة مغربية حياة القائد الميداني، برفقة عدد من مرافقيه، شرق “الجدار الرملي” الدفاعي بالصحراء الغربية (أو المغربية كما تصر الرباط على تسميتها).
هذه الواقعة، وبخلاف ما تحمله من أهمية خبرية بسبب قيمة القتيل الذي هو نجل الزعيم التاريخي الراحل للبوليساريو محمد عبد العزيز، وقائد “اللواء الاحتياطي القتالي الأول”، وأبرز الوجوه الشابة المرشحة لقيادة الجبهة مستقبلاً، فإن دلالتها السياسية والاستراتيجية تبدو أكثر أهمية وأشد حساسية. فالمسيرة التي قتلته والتابعة لسلاح الجو الملكي المغربي، خرجت -في الحقيقة- من المصانع العسكرية الإسرائيلية.
تحت عنوان “صنع في إسرائيل، مُجَرَّب في الصحراء”، يشرح أمين أيوب، الباحث المغربي في منتدى الشرق الأوسط، في مقال تحليلي ثري، كيف أن ذلك الاغتيال يمثل تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك بالمنطقة، حيث استهان قائد البوليساريو بالامتداد العسكري للاتفاقيات الموقعة بين الرباط وتل أبيب، فجاء الرد الحاسم عبر ذخيرة ‘توين ثاندر’ المتسكعة والمتطورة من صنع شركة ‘بلو بيرد’ لأنظمة الطيران BlueBird Aero Systems.
ويرى أيوب (المقيم في المغرب) أن هذا التطور ينهي “بيئة غير متكافئة مريحة للبوليساريو” دامت لعقود، حيث كان مقاتلو الجبهة ينفذون هجمات حرب عصابات خاطفة على الدفاعات المغربية ثم ينسحبون بحصانة سهول الصحراء الشاسعة نحو ملاذاتهم الآمنة في معسكرات ‘تندوف’ الجزائرية، وبتكلفة تشغيلية ضئيلة. بينما باتوا اليوم عاجزين عن مواجهة “مسلسل القتل الفتاك” -كما يصفه الكاتب- الذي يُدار بالتكامل بين الدرونات الإسرائيلية المتطورة والبنية الاستخباراتية “المشتركة” والمعتمدة على مراقبة مستمرة، وروابط بيانات مشفرة، وبروتوكولات صارمة لتحديد الأهداف، وعناصر بشرية مدربة تدريباً عالياً.
يتفق الخبراء على أن التفوق العسكري المغربي في حرب الصحراء تعزز مع تفعيل اتفاقات أبراهام التطبيعية ومذكرة التفاهم الدفاعي الموقعة عام 2021. ورغم امتلاك المغرب لترسانة مسيرات متنوعة مثل ‘بيرقدار TB2′ التركية و’وينغ لونغ’ الصينية، إلا أن مسيرات شركة ‘بلو بيرد’ الإسرائيلية – التي تمتلك شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية (IAI) نصف أسهمها – غدت الركيزة الأساسية في العمليات الهجومية والاستطلاع خلف الجدار. واقتنت الرباط طائرات كاميكازي الانتحارية من طراز (SpyX) وطراز (Harop)، ومسيرات المراقبة الضخمة (Hermes 900)، فضلاً عن مسيرتي (WanderB) و(ThunderB) ونظام الذخيرة المتسكعة (Twin Thunder) المصمم خصيصاً لتحييد الوحدات المتفرقة عالية الحركة في التضاريس الوعرة.
ولم يقف الدعم الإسرائيلي للمغرب عند تصدير التكنولوجيا العسكرية؛ بل أثمر عن ديناميكية “تصنيع محلي” أعلن عنها ‘رونين نادر’ رئيس شركة ‘بلو بيرد’ في نوفمبر 2025، حين افتتحت الشركة مصنعاً لإنتاج ذخائر (SpyX) الانتحارية في مدينة ‘بن سليمان’ بالقرب من الدار البيضاء، في صفقة تشمل نقلاً كاملاً للتقنيات وتدريب المهندسين المغاربة لضمان ملاءمة الطائرات لمناخ الصحراء، في خطوة هي الأولى من نوعها بشمال أفريقيا. وتزامن ذلك مع إعلان ‘إلبيت سيستمز’ كبرى شركات التصنيع العسكري الخاصة في إسرائيل، عن خطط لفتح مصنعين للأنظمة الدفاعية بالمملكة، إلى جانب صفقات رادارية وحربية شملت نظام الدفاع الجوي والصاروخي (Barak MX) بقيمة 500 مليون دولار، والذي بدأ تسليمه عام 2023، وأنظمة الحرب الإلكترونية (Alinet).
يأتي هذا التحشيد في سياق نزاع تاريخي جغرافي معقد على رقعة صحراوية (مساحتها 266,000 كم مربع) تدرجها الأمم المتحدة منذ عام 1963 كـ “إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي”، حيث لا تعترف المنظمة الدولية بسيادة المغرب عليه ولا بـ “الجمهورية الصحراوية” المطالبة باستقلاله كدولة عضو، وتدير بعثة “المينورسو” منذ 1991 لتنظيم استفتاء “متعثر”، دون حل سياسي واقعي. وبينما تعد الرباط الصحراء (التي تسيطر عمليًا على 80٪ منها) جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني، طارحةً منذ 2007 “مبادرة الحكم الذاتي” تحت سيادتها كخيار وحيد وأقصى، فقد نجحت المملكة المغربية في كسب تأييد أكثر من 120 دولة عضو في الأمم المتحدة لدعم ذلك المقترح أو الاعتراف بالسيادة؛ أبرزها الولايات المتحدة التي اعترفت بها عام 2020، وإسرائيل عام 2023، فضلاً عن دول أوروبية مهمة مثل إسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، في حين تراجع عدد الدول المعترفة بالبوليساريو إلى حوالي 37 دولة فقط (منها جنوب إفريقيا ونيجيريا وفنزويلا وكوبا وإيران وكوريا الشمالية) بعد سحب مالي لاعترافها في أبريل 2026.
أما الدول العربية، فثمة إجماع شبه كامل على الاعتراف بمغربية الصحراء، تقوده دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن واليمن، بينما تتبنى موريتانيا سياسة “الحياد الإيجابي الصارم” منذ 1984، ويبقى اعتراف سوريا بالبوليساريو صامداً “شكلياً” منذ 1980 (في عهد حافظ الأسد) لكنه “مجمد عملياً”. وبذلك تظل الجزائر (الجارة اللدود) الدولة العربية الوحيدة التي تعترف بسيادة البوليساريو وتوفر لها أشكال الدعم الدبلوماسي والمالي واللوجستي (العسكري). ومن منطلق رؤيتها للتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية على حدودها الغربية كـ “تهديد مباشر لأمنها القومي”، ورداً على التفوق المغربي، سارعت الجزائر مؤخراً بتعزيز أسطولها الجوي عبر صفقات ضخمة مع روسيا والصين، شملت رادارات ومسيرات صينية متطورة من نوع (CH-5).
هذا المشهد الساخن في شمال أفريقيا يبرهن على أن التطبيع الإبراهيمي تجاوز الأبعاد الرمزية والمصافحات الدبلوماسية أو حتى الصفقات التجارية، ليتحول إلى تحالف أمني عسكري وعقيدة استراتيجية موحدة قد تعيد صياغة موازين القوى في أكثر من بؤرة جغرافية على امتداد ما يُسمى الوطن العربي. إذ شكلت مشتريات المغرب والإمارات والبحرين 24% من إجمالي صادرات الأسلحة الإسرائيلية لعام 2022 (والتي تجاوزت إجمالاً 13 مليار دولار في 2023). فالإمارات والبحرين حصلتا عام 2021 على أسلحة إسرائيلية بنحو 800 مليون دولار جُربت ميدانياً، واستحوذت أبوظبي على حصة 30% في شركة “Third Eye Systems” الإسرائيلية لدمج الذكاء الاصطناعي في المسيرات، وأبرمت صفقة تسلح بـ 2.3 مليار دولار مع “إلبيت سيستمز”، فضلاً عن نيلها موافقة أمريكية لشراء مقاتلات F-35 بقيمة تخطت 10 مليارات دولار. أما البحرين،، فوقعت اتفاقية تعاون أمني مع إسرائيل في فبراير 2022، مبدية اهتمامها باقتناء “القبة الحديدية”.
كل هذه المعطيات تُقدم رداً عملياً ومباشراً على المشككين الذين اعتبروا اتفاقات أبراهام التطبيعية مجرد حبر على ورق وشكليات دبلوماسية، وتؤكد أن قواعد اللعبة تتبدل من الخليج العربي إلى المغرب العربي، حيث يفرض الطائر الأزرق أو “البلوبيرد” الإسرائيلي (مع ملاحظة دلالة اللون الأزرق) هيمنته على سماء الصحراء العربية الأفريقية، أيا كانت تسميتها الرسمية. عرض أقل