رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :العيون السرية

طلب الخليفة عبد الملك بن مروان رؤية بثينة التي هام بها الشاعر جميل وكتب عنها أجمل قصائد الشعر العربي حتى اليوم، وخلد تلك العلاقة وثبتها عبر العصور، ولما حضرت التفت إلى وزيره وهمس له:
” ليست كما وصفها جميل”
لكن وزيره الحكيم قال له:
” جميل رآها بعيون ليست في رأسه”.
لم تتطابق رؤية الخليفة مع رؤية العاشق، كلاهما نظر الى المكان الذي يريده ورؤية جميل الصافية النقية ليست رؤية الخليفة، كلاهما كانا أمام بثينة بعيون مختلفة:
جميل رآها بعيون داخلية وإخترق المظهر الخارجي رغم أن بثينة كانت جميلة،
لكن هذا ليس ما فتن العاشق:
تتقاطع رغبة الخليفة في الشكل الإنثوي مع حب الشاعر الذي رأى الكيان الأعمق والأصفى والأبهى.
كيف تكون السلطة عاشقة؟ السلطة والرغبة أمران متناقضان لأن الاولى قواعد وأنساق والثانية ” جنون حكيم” بتعبير نيتشه. رؤيا واستبصار وليست رؤية . السلطة قوة تهدف للتحكم والرغبة شغف بلا هدف سوى نفسها.
يخطئ من يعتقد انه فهم ظاهرة الحب وكل ما كتب عنه هو وصف خارجي وكل ما كتب هو غير صحيح وخاصة من الشعراء لذلك تحاشى الفلاسفة تفكيك الحب لانه لا يخضع لمنطق وسياق وقواعد.
مقاييس العيون أنساق إجتماعية جاهزة تحدد الجمال من غيره، كما ينظر الشخص الى شيء متفق على مقاييس جماله،
أي أن الجمال الاجتماعي ليس في الشيء بل في المعايير العامة المعلبة،
وهذه تنهار في الحب الصافي السامي الذي لا هدف له غير ذاته،
والوقوع في الحب يعني الخروج عن السائد والمقاييس الجاهزة وهو ما لا تتساهل به السلطة ولا المجتمع . ملوك تخلوا عن الحكم وعشاق هاموا في الصحارى وشعراء هجروا البيوت.
في حالات يحدث العكس: عندما تدمر الغطرسة والتعالي والشراسة والفجور الجمال الخارجي ويتحول الى ثقل وقبح ويكون منفراً.
قد نرى في منعطف طريق وجوه مشردين أو متسولين رجالاً أو نساءً تحمل ملامح قديسين عندما يمنح الوجع شحوباً وهيبة وجمالاً غير مرئي كما لو أن الوجع يغسل الوجوه من المساحيق الزائفة لان الوجع النبيل الأبي يمنح كرامة لا يمنحها الغنى وخلف الاسمال البالية تكمن روح كبيرة كشخصية كوازيمودو المشوه في رواية ” فيكتور هيجو: “أحدب نوتردام” والمتسولة سونيا مارميلادوف في رواية دوستويفسكي” الجريمة والعقاب” وفي شخصيات رواية نجيب محفوظ” ملحمة الحرافيش” وفي شخصيات حنا مينه .
عادة لا يرى الناس الجمال وكل الاشياء من خلال الشيء نفسه بل من منظومة مسبقة جاهزة تحدد ما هو جميل وغير جميل،
بمعنى لا يرى الناس الجمال بل يرونه من خلال بنية وصياغات إجتماعية جاهزة ويعتقدون بثقة أنهم يرون لكن في الواقع لايرون إلا عبر مصفاة، بنية، إطار، لذلك قيل العاشق أعمى:
هو أعمى من الانساق الجاهزة ورؤيوي عندما فقدها، فقدان نظر عمومي وإكتشاف رؤية باهرة ذاتية لا يراها غيره، في الحب وفي الحياة عامةً وفي كل ظاهرة عامة هناك” اتفاقات مسبقة”.
العاشق لا يبحث عن الوجود الحاضر أمامه، بل عن الجزء المخفي في الآخر،
ليس لـــ ” الإفراغ” العابر وهي أقبح كلمة في التاريخ الذي يرتدي قناع العاشق لذلك يفشل بعد الزواج بوقت قصير لانه حصل على ما يريد وانتهى منه وصار عديم الصلاحية ويبدأ في البحث عن آخر تحت العنوان المزيف نفسه ويخترع الاكاذيب عن الفشل الاول.
الحب إكتمال بري في كيان داخلي لا يُرى بالعين بل بالحواس. أنا أرى فيك ما لا تراه في نفسك والعكس. كتب الروائي الامريكي هنري ميللر الى أناييس نن:
” كنتُ ناقصاً لكني إكتملت بك”
تلك العلاقة بين ميللر وأناييس أنتجت أدباً راقياً، حتى قيل إنهما إكتشفا العالم بالحب ، لم تكن علاقة حب فحسب بل صداقة ورعاية ودفء ومظلة،
كانت أناييس أم ميللر وكان هو الأب الروحي. كان هنري ميللر قد عصف بكل قواعد المجتمع الامريكي وتقاليده في كل رواياته وخاصة رواية” مدار السرطان” منعت 27 عاماً وقادته للمحكمة لـــ “خرقه الحياء العام” للنظام الرأسمالي الذي يكرهه ميللر هو المشرد وعندما صدر عليه الحكم بمنع تداول رواياته المكتوبة بلغة عارية كالمجتمع نفسه، بال في قفص المحكمة كقرار منه بحق المحكمة
وميللر صار فيما بعد الأب الروحي لجيل ” البث Beat Generation” التمردي.
الحب لا يُفسر أبداً وكل ما كتب عنه غير صحيح، كل العشاق تحدثوا عن أعراضه الخارجية من قلق وهيام وافتتان، لكن تفسير ظاهرة الحب إستعصى على الجميع حتى اليوم،
خاصة عندما تدخل العلم الحديث والصور الشعاعية العالية الدقة،
وماذا يحدث في دماغ العاشق من تغيرات أمام صورة من يحب ، في حين في الحب الزائف لم تظهر في الدماغ علامات شوق في مراكز العواطف والاحاسيس.
كلمة” أحبك” الكلمة الوحيدة في التاريخ التي تحدث تغييرات عضوية في الجسد كالاحمرار وخفقان القلب والارتجاف. تقول فيدرا في مسرحية جان راسين:
” عندما تعرفت عليك، تغير شكل جسدي”
وهذا صحيح الى أبعد حد. كل طرف اعطى الاخر جزءا من كيانه وعند الفقدان يتحول الى حداد، فراغ يجب أن يمتليء، وكل طرف يبحث عن الجزء المبتور منه كما في ظاهرة الجزء المبتور من الزواحف حيث يسعى الجزء المبتور للبحث عن الأصل.
عشاق قطعوا البراري والصحارى وملوك تخلوا عن عروش، وحب هيلين هدم مملكة في حرب طروادة،
ولا يخضع للمعايير العامة في السلطة والثروة والجاه والسن والشكل ولا للحسابات العامة كما لو انه انقلاب داخلي له معاييره الخاصة. قال عالم النفس فرويد: ” حداد الفقدان رغبة في الموت”. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى