
نتقاسمُ النهار مع أطيافِ ساعاته؛
يجيءُ كرفيقٍ يحتملُ قهوتنا وظلَّنا،
يرتّبُنا لرحلةٍ متعددةِ الاتجاهات،
ويحمينا من ترفٍ لا نحتمله.
خذني إلى مكانٍ لا يشبهني، وابقَ قليلًا
حتى يأتي من أحب،
أو تأتي سعادةٌ لا أعرف شكلها.
إن طردك الليلُ فلا تحزن،
أنا أجيد الانتظار…ولا أسميه انتظارًا.
كنتُ اليومَ أعرج،
أتمسّكُ بجدران الشارع،
وأقرأُ أسماءَ الناسِ عند الأبواب وبجانبِ الأجراس؛
كأن الفضولَ طريقةٌ لتهدئة الألم،
وكأن وجودي خبرٌ ينتشر في أجراسٍ صمّاء.
لكن شيئًا لم يهدأ في نفسي،
قرأتُ الحربَ والسِّلم،
ولطّختُ أصابعي بحبرِ صاحبةِ الخطّ المرهق،
وهي تعيد كتابة الرواية،
وعلى طرفِ ثوبِها الملطّخِ بالأزرق
من بقايا الفصل الأخير.
أحزنني غيابُها المتجلّي في صبرها،
ومات تولستوي في الإبداعِ الذي أرهقه،
وأُطفئت شمعتها،
وتبعته… بلا أصابعَ، بلا دموع.
عند نقطةِ اللاعودة،
من ألمٍ يصلُ إلى الركبة،
وبقلقٍ منفصلٍ عن الافتعال،
استدللتُ على كلماتِ أغنية
كنتُ قد كتبتُها ذات يوم.
فالإنسانُ مغنّي صمتِه،
بلا أيِّ كلفة.
جلستُ فوق حجرٍ،
وظننتُ أني قادرٌ على استعادةِ الإبداعِ القديم،
ذاك الذي لم يسمعهُ أحد،
ولم يباركْ جمالَه أحد.
ضحكتُ من صلابةِ الحجر،
ونسيتُ الأغنية،
وسخرتُ من نفسي:
كيف أتواطأُ مع البلاهة؟
هل كتبتُ؟ أم نسيتُ فقط؟
أتَحاملُ على نفسي…
وهذه، بلا شك،
حربُ الوداعةِ والقلق.
وغابت السعادةُ مع الأغنية.
تابعتُ الطريق،
أتمتّعُ بألمِ العرجِ وصحبته،
كأنّه رفيقٌ قديم
يُذكّرني بأنّ الجسدَ لا ينسى
ما مرّ به من سقوطٍ ونجاة.
كانت حجارةُ الطريق أشبهَ
بأفكارٍ متروكةٍ في العراء؛
صامتةً، متقشّفة،
لكنّها تعرفُ أكثرَ ممّا تقول.
مررتُ بينها ببطء،
لا رغبةَ لي في الانتصارِ على شيء،
ولا في الشكوى من شيء،
يكفيني أن أصل
دون أن أفقدَ دهشتي.
لستُ أبحثُ عن عدوّ،
أنا أمضي، والطريقُ يمضي معي،
وكلانا يتقاسمُ
هذا المللَ الهادئ
كأنّه حكمةٌ صغيرة.
كانت عينيَ اليمنى تخشى الشمس،
فحمتها يدي اليسرى
دون أجرٍ متّفقٍ عليه.
علاقةُ الجسدِ بالجسد
إحدى أسرارِ الوجود.
لم يكن لي هدفٌ محدَّد،
سوى مراقبةِ زوجٍ من الغربان
قفزا إلى منتصفِ الطريق،
بدا عليهما التعبُ من اليقظةِ والحذر
وصخبِ المدينة.
مددتُ قدميَ العرجاء
ليتعثّرا بها،
ويكشفا لي سرَّ سعادتي.
ما أروع أن تكون سعيدًا
وأنتَ تسبَح في الفراغ.
لكنني لم أكن سعيدًا،
كنتُ أؤمن
أن السعادة لا تُغادر أحدًا،
ولا تُكتشف إلا بعيون الآخرين،
حتى لو كانوا غربانًا غرباء
يلهون وكأنهم يملكون السماءَ والأرض.
قفزَ غرابٌ على رأسي،
ووضع في فمي حصى صغيرةً، تافهة،
داستها آلافُ الأقدام.
أطعمتني الحصى،
وضعتُها تحت لساني، ثم ابتلعتها،
ولأول مرة
أتذوّقُ طعمَ الأرض
التي نسيرُ فوقها.
قال الغراب من فوق رأسي:
“ما أجملَ سعادتك.”
فتوقفتُ عن التفكير،
وقلتُ بدهشة:
“وجدتها… في حصى؟”
ثم طاروا، كأنهم لم يكونوا.
وتركتُ نفسي أمضي،
أُخبر الناس
أن للحصى مذاقًا لا يُؤجَّل،
ضحكتْ عجوزٌ، ووقفتْ مشدوهة،
تُقلّب قامتي بسخرية،
ثم قالت:
“تبتلعُ الحصى؟
ضحكَ عليك الغراب،
وتريد أن تقنعني
أن السعادة في حصى الطريق؟
نمسكُ أطرافَ النهار
ولا ندخله.”
قلتُ: “لكنني سعيد.”
فقالت:
“أشفقُ عليك…
لعلّي أنا
أشعرُ بالسعادة.”