
- ما الذي أدخَلَكَ نوبَةَ شَقاءٍ هَسْتيريّةً
وصَرَفَكَ عن مَجرى الحياةِ
إلى مَجرى القصيدةِ؟
- أُحاوِلُ فَكَّ جَدائِلِ الصّباحِ
أَرتِقُ جُرحَ مَوْجَةٍ نَخَرَها المِلحُ
أَستَجدِي قَبَساً أَرمَدَ
من حَسيسِ اللّظى
مَكتوبٌ على صَفَحاتِ القَدَرِ
أَنجو من الانطفاءِ
أَشتَعِلُ ومَجازُ اللّغةِ
ماءٌ يُطفِئُ الماءَ وعِطرٌ…
يَنتَشِلُ من سَلَخاتِ الجَفافِ
جُنوناً يانِعاً لم يَطَلهُ اليَباسُ
- ما الذي كَسَرَ بوصِلَةَ القَلبِ
فَصِرتَ تَمشي إلى الحَرفِ حافياً؟
- أُحاوِلُ حَلَّ أَزرارِ الغَيمِ عن صَدرِ السّماءِ
أُضَمِّدُ خاصِرَةَ قمَرٍ نزَفَ ضوؤهُ
أَستَجدِي شَرارَةً خافِتةً
من رمادِ القصيدةِ
منقوشٌ على لوحِ السّرابِ
أَنجو من البَياضِ
أَفيضُ في الفَراغِ
حِبرٌ يَشرَبُ الحِبرَ، وظِلّ…
يَستَلُّ من أَنيابِ اليَقَظَةِ
هَذَيانًا ناضِجًا لم يَذبُلْ في قَيظِ المَجازِ
- ما الذي أَغرَقَكَ في قطرَةِ دَمعٍ
وعلّمَكَ الإبحارَ في كأسِ نَبيذٍ؟
- أَفُكُّ عُقدَةَ الرّيحِ عن عُنُقِ السّفُنِ
أَرتِقُ جَفنَ البَحرِ بإبرَةِ المِلحِ
أَستَنجِدُ بوَميضٍ غَريقٍ
من قاعِ اللّغةِ
مَرسومٌ على كَفِّ القَدَرِ
أَنجو من الجَدبِ
أَشتَعِلُ في القَحطِ
مِلحٌ يَغسِلُ المِلحَ، وضَوءٌ…
يَسرِقُ من جِلدِ العَتمةِ
صَهيلاً فَتِيَّاً لم يَغتَلهُ هَرَمُ السّنينَ
- ما الذي سحَبَكَ من رصيفِ العُمُرِ
وأَلقاكَ في نَهَرِ الاستِعارَةِ؟
- أَفتِقُ جَدائِلَ اللّيلِ عن جِيدِ الفَجرِ
أَخيطُ جُرحَ غَيمَةٍ عَقيمٍ
أَستَرِقُ لَمعَةَ جَمرٍ
من جَفنِ الرّمادِ
مَسطورٌ في ذاكِرَةِ الوَرَقِ
أَنجو من الصّمتِ
أَضِجُّ بالمَعنى
نارٌ تَروي النّارَ، وصَوتٌ…
يَقتَلِعُ من حَنجَرَةِ الغِيابِ
جُنوناً أَخضَرَ لم تَمَسَّهُ سِكّينُ العَقلِ
- ما الذي عَلّقَكَ بين موتينِ ؟
- أُحَرِّرُ النّدى من قَبضَةِ الجَفافِ
أُرمِّمُ وَجهَ مِرآةٍ شاخَت من البُكاءِ
أَستَعيرُ رَعشَةَ بَرقٍ
من شَفَةِ سَحابَةٍ خرساءَ
محفورٌ في جبينِ الرّيحِ
أَنجو من الانطفاءِ
أَتَّقِدُ باللّا شَيءِ
ظِلٌّ يُضيءُ الظّلَّ، ونَبضٌ…
يَستَخرِجُ من المَوتِ
عُشباً هائِماً كَصوفِيٍّ
لم تَطأهُ سَنابِكُ اليَأسِ
- ما الذي نَزَعَ عَنكَ جِلدَ الواقِعِ
وأَلبَسَكَ مِعطَفَ الغَيمِ؟
- أَفتِقُ أَختامَ الظّلِّ عن كِتابِ الضّوءِ
أُرمِّمُ جِسرًا بين نَبضَينِ قَصِيّينِ
أَستَجدِي وَميضاً يَتيماً
من عَينِ العَدَمِ
مكتوبٌ على ريشِ العَنقاءِ
أَنجو من الفَناءِ
أَتَوضّأُ باللّهَبِ
ريحٌ تُطفِئُ الرّيحَ، وسِرٌّ…
يَنتَزِعُ من غَرابيبِ الغُيومِ
بَرقاً طازِجاً لم يَشِبْ
في كُهولَةِ الحُكَماءِ
- ما الذي أَضرَمَكَ قصيدةً كامِلةً
وترَكَك تَتلو نفسَكَ على المَلأِ؟
- أُحَرِّرُ المَعنى من قَيدِ اللّفظِ
أَخيطُ جُرحَ الأَبديّةِ بإبرَةِ اللّحظَةِ
أَستَعيرُ قَلبَ نَيزَكٍ
من سَماءٍ لم تُخلَقْ بَعدُ
مَنقوشٌ على لَوحِ الأَزَلِ
أَنجو من الوُجودِ
لأَصيرَ وُجوداً آخَرَ
مُعجِزَةٌ تَلِدُ المُعجِزَةَ، وأَنا…
أُولَدُ من رَمادي عِندَ كُلِّ فَناءٍ
جُنونٌ مُقَدَّسٌ يَتَقَدُّ لا يُفَسِّرُهُ عَقلٌ
ولا يُطفِئُهُ برد الكَونِ
وكُلَّما احتَرَقْتُ، ازدَدتُ بَريقاً
حتّى صِرتُ للعَوالِمِ مِرآةً
احذَروا الاقتِرابَ
أَنا القصيدةُ الّتي
إذا تُلِيَت على المَلأِ
احتَرَقَ كلُّ شَيءٍ، وبَقيتُ أَتلو
والتَبَسَ الأَمرُ على العَدَمِ
أَنا الّذي أُفنى فيه
أَم هو الّذي يُبعَثُ مِنّي؟!!
فإن احترقتُ آخر احتراقٍ ولم أُبعثْ
فاعلموا …….
أن القصيدةَ نطقتْ سرَّها ورحلتْ
إبراهيم علي الإدريسي
ديوان تراتيلٌ من جوفِ السّكون