كتاب وشعراء

سفرُ الاحتراق وقبسُ الرّماد.. شعر: إبراهيم علي الإدريسي

‏- ما الذي أدخَلَكَ نوبَةَ شَقاءٍ هَسْتيريّةً

‏ وصَرَفَكَ عن مَجرى الحياةِ

‏ إلى مَجرى القصيدةِ؟

‏- أُحاوِلُ فَكَّ جَدائِلِ الصّباحِ

‏ أَرتِقُ جُرحَ مَوْجَةٍ نَخَرَها المِلحُ

‏ أَستَجدِي قَبَساً أَرمَدَ

‏ من حَسيسِ اللّظى

‏ مَكتوبٌ على صَفَحاتِ القَدَرِ

‏ أَنجو من الانطفاءِ

‏ أَشتَعِلُ ومَجازُ اللّغةِ

‏ ماءٌ يُطفِئُ الماءَ وعِطرٌ…

‏ يَنتَشِلُ من سَلَخاتِ الجَفافِ

‏ جُنوناً يانِعاً لم يَطَلهُ اليَباسُ

‏- ما الذي كَسَرَ بوصِلَةَ القَلبِ

‏ فَصِرتَ تَمشي إلى الحَرفِ حافياً؟

‏- أُحاوِلُ حَلَّ أَزرارِ الغَيمِ عن صَدرِ السّماءِ

‏ أُضَمِّدُ خاصِرَةَ قمَرٍ نزَفَ ضوؤهُ

‏ أَستَجدِي شَرارَةً خافِتةً

‏ من رمادِ القصيدةِ

‏ منقوشٌ على لوحِ السّرابِ

‏ أَنجو من البَياضِ

‏ أَفيضُ في الفَراغِ

‏ حِبرٌ يَشرَبُ الحِبرَ، وظِلّ…

‏ يَستَلُّ من أَنيابِ اليَقَظَةِ

‏ هَذَيانًا ناضِجًا لم يَذبُلْ في قَيظِ المَجازِ

‏- ما الذي أَغرَقَكَ في قطرَةِ دَمعٍ

‏ وعلّمَكَ الإبحارَ في كأسِ نَبيذٍ؟

‏- أَفُكُّ عُقدَةَ الرّيحِ عن عُنُقِ السّفُنِ

‏ أَرتِقُ جَفنَ البَحرِ بإبرَةِ المِلحِ

‏ أَستَنجِدُ بوَميضٍ غَريقٍ

‏ من قاعِ اللّغةِ

‏ مَرسومٌ على كَفِّ القَدَرِ

‏ أَنجو من الجَدبِ

‏ أَشتَعِلُ في القَحطِ

‏ مِلحٌ يَغسِلُ المِلحَ، وضَوءٌ…

‏ يَسرِقُ من جِلدِ العَتمةِ

‏ صَهيلاً فَتِيَّاً لم يَغتَلهُ هَرَمُ السّنينَ

‏- ما الذي سحَبَكَ من رصيفِ العُمُرِ

‏ وأَلقاكَ في نَهَرِ الاستِعارَةِ؟

‏- أَفتِقُ جَدائِلَ اللّيلِ عن جِيدِ الفَجرِ

‏ أَخيطُ جُرحَ غَيمَةٍ عَقيمٍ

‏ أَستَرِقُ لَمعَةَ جَمرٍ

‏ من جَفنِ الرّمادِ

‏ مَسطورٌ في ذاكِرَةِ الوَرَقِ

‏ أَنجو من الصّمتِ

‏ أَضِجُّ بالمَعنى

‏ نارٌ تَروي النّارَ، وصَوتٌ…

‏ يَقتَلِعُ من حَنجَرَةِ الغِيابِ

‏ جُنوناً أَخضَرَ لم تَمَسَّهُ سِكّينُ العَقلِ

‏- ما الذي عَلّقَكَ بين موتينِ ؟

‏- أُحَرِّرُ النّدى من قَبضَةِ الجَفافِ

‏ أُرمِّمُ وَجهَ مِرآةٍ شاخَت من البُكاءِ

‏ أَستَعيرُ رَعشَةَ بَرقٍ

‏ من شَفَةِ سَحابَةٍ خرساءَ

‏ محفورٌ في جبينِ الرّيحِ

‏ أَنجو من الانطفاءِ

‏ أَتَّقِدُ باللّا شَيءِ

‏ ظِلٌّ يُضيءُ الظّلَّ، ونَبضٌ…

‏ يَستَخرِجُ من المَوتِ

‏ عُشباً هائِماً كَصوفِيٍّ

‏ لم تَطأهُ سَنابِكُ اليَأسِ

‏- ما الذي نَزَعَ عَنكَ جِلدَ الواقِعِ

‏ وأَلبَسَكَ مِعطَفَ الغَيمِ؟

‏- أَفتِقُ أَختامَ الظّلِّ عن كِتابِ الضّوءِ

‏ أُرمِّمُ جِسرًا بين نَبضَينِ قَصِيّينِ

‏ أَستَجدِي وَميضاً يَتيماً

‏ من عَينِ العَدَمِ

‏ مكتوبٌ على ريشِ العَنقاءِ

‏ أَنجو من الفَناءِ

‏ أَتَوضّأُ باللّهَبِ

‏ ريحٌ تُطفِئُ الرّيحَ، وسِرٌّ…

‏ يَنتَزِعُ من غَرابيبِ الغُيومِ

‏ بَرقاً طازِجاً لم يَشِبْ

‏ في كُهولَةِ الحُكَماءِ

‏- ما الذي أَضرَمَكَ قصيدةً كامِلةً

‏ وترَكَك تَتلو نفسَكَ على المَلأِ؟

‏- أُحَرِّرُ المَعنى من قَيدِ اللّفظِ

‏ أَخيطُ جُرحَ الأَبديّةِ بإبرَةِ اللّحظَةِ

‏ أَستَعيرُ قَلبَ نَيزَكٍ

‏ من سَماءٍ لم تُخلَقْ بَعدُ

‏ مَنقوشٌ على لَوحِ الأَزَلِ

‏ أَنجو من الوُجودِ

‏ لأَصيرَ وُجوداً آخَرَ

‏ مُعجِزَةٌ تَلِدُ المُعجِزَةَ، وأَنا…

‏ أُولَدُ من رَمادي عِندَ كُلِّ فَناءٍ

‏ جُنونٌ مُقَدَّسٌ يَتَقَدُّ لا يُفَسِّرُهُ عَقلٌ

‏ ولا يُطفِئُهُ برد الكَونِ

‏ وكُلَّما احتَرَقْتُ، ازدَدتُ بَريقاً

‏ حتّى صِرتُ للعَوالِمِ مِرآةً

‏ احذَروا الاقتِرابَ

‏ أَنا القصيدةُ الّتي

‏ إذا تُلِيَت على المَلأِ

‏ احتَرَقَ كلُّ شَيءٍ، وبَقيتُ أَتلو

‏ والتَبَسَ الأَمرُ على العَدَمِ

‏ أَنا الّذي أُفنى فيه

‏ أَم هو الّذي يُبعَثُ مِنّي؟!!

‏فإن احترقتُ آخر احتراقٍ ولم أُبعثْ

‏فاعلموا …….

‏أن القصيدةَ نطقتْ سرَّها ورحلتْ

‏ إبراهيم علي الإدريسي

‏ديوان تراتيلٌ من جوفِ السّكون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى