كتاب وشعراء

قراءة في قصيدة «رحلة داخل الذات» للشاعر الحبيب المبروك الزيطاري.. بقلم الأديب الناقد: عمار بلخضرة

رحلة داخل الذّات
شعر: الحبيب المبروك الزيطاري

أحتاجُ همسَكِ كي ألوذَ بذاتي
قلمي غرامُكِ والدّموعُ دواتي

أنتِ الصّباحُ إذا تنفسَ باسما
أنتِ انسيابُ النّورِ في سَنَواتي

فإذا نأيتِ تبعثرتْ ورَقاتي
نفرَتْ جيادي وانتهتْ غزَواتي

وإذا دنوتِ أفاقَ نبضُ قصيدتي
وغدتْ عيونُكِ معجمَ الكلماتِ

آوي إليكِ فإنّني متسكعٌ
أمشي شريدًا فوقَ جمرِ حياتي

لا تبعدي فالعمرُ دونَكِ يا مَهَا
أكذوبةٌ تجتاحُ ليلَ شتاتي

ما عدتُ أملكُ غيرَ قلبٍ خافقٍ
يهفو لقربكِ فارحمي نبَضاتي

إنّي المسافرُ في مدارِ قريحتي
لأطوفَ حولَكِ مُهملا أدواتي

فلتُدركي المعنى الغريقَ ببحرهِ
ولتُنجدي الكلِماتِ بالكلِماتِ

قراءة في القصيدة بقلم الأديب الناقد: عمار بلخضرة

تنهض قصيدة «رحلة داخل الذات» على تجربة وجدانية صادقة، يتخذ فيها الشاعر من الحبّ وسيلةً لاكتشاف ذاته، ومن الحبيبة مرآةً تنعكس عليها ملامح روحه وإبداعه معاً. ومنذ البيت الأول يعلن العلاقة العضوية بين الذات والآخر، فلا يعود الحبّ مجرد عاطفة تتجه نحو المحبوبة، وإنما يصبح شرطاً من شروط الوجود الشعري؛ إذ يقول: «أحتاج همسك كي ألوذ بذاتي»، فيجعل الهمس طريقاً إلى الذات، وكأن الإنسان لا يبلغ أعماقه إلا عبر صوت من يحب. وتزداد هذه الرؤية عمقاً في الشطر الثاني: «قلمي غرامك والدموع دواتي»، حيث تتحوَّل الكتابة إلى فعل وجداني خالص، فيغدو الغرام قلماً، وتغدو الدموع محبرةً، في صورة موحية تؤكِّد أن الشعر لا يولد إلا من امتزاج الحب بالألم.

ويستمر الشاعر في بناء عالمه على ثنائية الحضور والغياب؛ فالحبيبة ليست شخصية عابرة في القصيدة، بل هي مصدر الضوء والحياة والإلهام. لذلك يصفها بأنها الصباح إذا تنفس باسماً، وأنها انسياب النور في سنواته، وهي صور تمنحها بعدًا كونيًا يتجاوز الوصف الحسي إلى الرمز، إذ تصبح معادلاً للنور الذي يبدد ظلمات النفس. وفي المقابل، ما إن تغيب حتى يتداعى هذا العالم كله؛ فتتبعثر الأوراق، وتنفر الجياد، وتنتهي الغزوات، وهي صور توحي بانهيار النظام الداخلي للشاعر، وفقدانه القدرة على المواصلة والإبداع.

ويبلغ هذا التقابل ذروته في البيت الذي يقول فيه: «وإذا دنوت أفاق نبض قصيدتي وغدت عيونك معجم الكلمات». فهذا البيت من أنصع أبيات القصيدة وأشدها كثافةً؛ لأنه يجعل القصيدة كائناً حيَّاً يستيقظ بنبض الحبيبة، ثم يرتقي بالصورة حين يجعل عينيها معجمًا للكلمات، فيتحول مصدر اللغة من الكتب إلى النظرة، ومن القواميس إلى الإحساس، وهي استعارة موفقة تكشف أن الشعر الحقيقي لا يستمد ألفاظه من المعاجم، وإنما من التجربة الإنسانية العميقة.

وتغلب على القصيدة نزعة اعترافية واضحة؛ فالشاعر لا يخفي هشاشته، بل يعلنها في صورة المتسكع الذي يمشي شريداً فوق جمر حياته. وهذه الصورة من أكثر صور القصيدة تأثيراً، لأنها تجمع بين الضياع والألم في مشهد واحد، وتختزل معاناة الذات في حركة مستمرة لا تعرف الاستقرار. ومن هنا تتوالى الأفعال الدالة على التيه والحنين والارتحال، حتى يبلغ الأمر ذروته في قوله: «إني المسافر في مدار قريحتي». وهي صورة لافتة، إذ يجعل الرحلة داخلية لا خارجية، فلا يسافر في الأرض وإنما في فضاء الإبداع نفسه، وهو ما ينسجم مع عنوان القصيدة الذي يحيل إلى رحلة داخل الذات أكثر مما يحيل إلى رحلة في العالم.

ومن الناحية الفنية، تمتاز القصيدة بوحدة شعورية واضحة؛ فكل الأبيات تصبُّ في تجربة واحدة، ولا تعرف الاستطراد الذي كثيراً ما يميِّز القصيدة التقليدية. كما أن الحقل المعجمي الذي اعتمده الشاعر يقوم على ألفاظ الذات والكتابة والحياة: الذات، القلم، الدواة، القصيدة، الكلمات، القريحة، القلب، النبض، وهي ألفاظ تتآزر فيما بينها لتؤكد أن الحب والإبداع وجهان لتجربة واحدة.

أما اللغة فجاءت سلسة، بعيدة عن التعقيد، محافظة على فصاحتها ورقتها في آن واحد، مع ميل واضح إلى الصورة البيانية أكثر من الميل إلى الزخرفة اللفظية. ولم يثقل الشاعر نصه بالمحسنات البديعية المتكلفة، وإنما اعتمد على الموسيقى الطبيعية المتولدة من حسن اختيار الألفاظ، ومن تكرار القافية الموحدة التي منحت القصيدة انسجاماً صوتياً ينسجم مع حالتها الوجدانية. كما أسهم التقابل بين الأفعال: نأيتِ/دنوتِ، وتبعثرت/أفاق، في إبراز التحول النفسي بين حالتي الفقد والوصال.

وفي مجملها، تكشف القصيدة عن شاعر يمتلك حسَّاً موسيقيَّاً واضحاً، وقدرة على بناء الصورة الوجدانية، وحرصاً على وحدة التجربة الشعرية. وهي قصيدة لا تقوم على الإبهار اللفظي بقدر ما تقوم على صدق العاطفة وصفاء اللغة، لذلك تصل إلى القارئ بسهولة، وتترك أثرها في نفسه بما تحمله من حنين وإنسانية ورغبة في الاحتماء بالحب من قسوة العالم. ومن ثم فإن «رحلة داخل الذات» ليست مجرد قصيدة غزلية، بل هي تأمُّل في علاقة الإنسان بذاته عبر الآخر، وفي علاقة الشاعر بقصيدته عبر الحب، حتى يغدو الحب نفسه أصلاً للكلمة، وتغدو الكلمة سبيلاً إلى الخلاص.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى