
وقد يجيءُ هذا اليوم في أيّةِ لحظة. قد يكون الآن أو في غد أو بعد غد. لا أفكّر في الأمر كثيراً ولكنّي على سجيّتي منذ وُلدتُ وأنا أجاهد وأعمل كي يكون هذا اليوم الّذي قد يجيء في أيّة لحظة يوماً كباقي الأيّام في حياتي مقبولاً ومليئاً ما أمكن بالمحبّة.
هذا أقصى ما أرجوه. وهذه هي رجواي في النّهار ونجواي في اللّيل ودعواي في كلّ وقت وقُصاراي أيّتها الرّوح أن أنام هادئاً مطمئناً ومن حولي مطرُ الّذين أحبّهم وأكون هم في مائي وهوائي وسمائي وانتمائي وأرحل كما لو أني أنتقل من غرفة إلى غرفة ثم أغفو هادئاً بعد أن استهلكَ النّهار طاقة الجسد.
يوماً ما سأغادر.
مخاوفي قليلة من الموت. كتبتُ قصائد كثيرة عن النهار كي لا تتهدّم سكينة الحبّ وعانقتُ الأنهار والينابيع والأشجار كي لا تنكسر الروح في طوافها الأخير وفعلت ما فعلت كي أبدّد على دَرج الأيّام مخاوفي من غدي.
أحمل معي أسماء من أحببت وأسماء من سهرت معهم وأقمت في انتظارهم واحتفظت بكل ذكرى مع من تألّمت لهم في موقف الألم أو من ضحكت معهم في ساعة الفرح وسأسافر مع كلّ هذا الرّفيف الّذي يخفق من حولي ويرفّ في محبّتهم ساعة الوداع على أنّه خلاصي وشفيعي في غروبي الأخير.
سأغادر.
لن آخذَ شيئاً معي. سأتركُ كلَّ شيءٍ في مكانِهِ: المفاتيحُ على الطاولة. الصّور وألبوم العائلة الكبير والكثير من تذكارات الأصدقاء في غرفتي. اللّوحة الأثيريّة لفان كوخ وأوراقي وقصائدي وبعض الرسائل والقليل القليل من الكتابةِ والتّرجماتِ الّتي لم تكتمل.
سأغادر.
إلى الضفةِ الأخرى من النّهر حرّاً. لا أملكُ شيئاً ولا يملكُني شيءٌ. لن أودّعَ أحداً فأنا لا أحبّ الوداعات رغم أنّي أقول لكِ دائماً ياحبيبتي إنّ الحياة مخصّصة أصلاً للوداع. سألقي نظرةً هادئةً وأخيرةً على كلّ الوجوه والأشياء الّتي من حولي واستلم جهة الغروب وأسافر. وإذا قُيّضَ لي القليل من الوقت سأعانقُ الجميعَ بقوّة وأبتسمُ وأنا أستلمُ طريقي كما لو أنّي مسافرٌ من مدينةٍ إلى مدينة أو أنتقل من غرفة إلى غرفة أخرى مجاورة.
يوماً ما سأغادر.
أغلب الظّنّ سيكون يوماً هادئاً. لن أهدرَ الوقتَ في انتظاره بل سأفعلُ ما بوسعي كي يكون يوماً هادئاً وخفيفاً أوقّع فيه أنفاسي تماماً كما تُوقِّعُ تلك الفراشةُ أيّامَها دونما أقنعة.
سأفتح النوافذ وألقي على الشّمسِ تحيّةَ الفرح. سأكتبُ للحياة كما أكتبُ الآن للموت. سأعشق وأصلّي لأتعلّم في الحقلِ الواسعِ منْ جهةِ القلبِ معنى انْدِلاعَ الشّموسِ.