شهادات “النازية اليهودية” .. وتبريرات “محرقة الفلسطينيين” في عقيدة “تفوق” العرق المختار

كتب:هاني الكنيسي
في واحدة من أكثر الشهادات دلالة على تحولات العقيدة الصهيونية، لم يتردد وزير الجيش الإسرائيلي ‘موشيه يعالون’ في تشبيه المستوطنين اليهود المتطرفين الذين يشنون هجمات يومية على الفلسطينيين في الضفة الغربية بـ”النازيين”، محذراً من صعود ما وصفه بعقيدة “التفوق اليهودي” التي باتت تتغلغل في شرايين الحركة الاستيطانية و”تحظى بحماية سياسية وأمنية من مؤسسات الدولة نفسها”.
ففي مقابلة مع موقع صحيفة ‘يديعوت أحرونت’ العبرية الأحد الماضي، قال ‘يعالون’ حرفيًا: إن اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين تستند إلى عقيدة التفوق اليهودي”، موضحاً أن هذا المفهوم يتبناه الحاخام ‘دوف ليئور’ والحاخام ‘غينزبورغ’ (أشهر المنظرين لتيار “الصهيونية الدينية”)، اللذان يمثّلان حسب وصفه “القيادة الروحية للمستوطنين المتطرفين”.
وفي سياق المقابلة ذاتها، يتساءل رئيس أركان الجيش الأسبق: ماذا يعني التفوق اليهودي؟ بعد 80 عاماً على ‘الهولوكوست’ (المحرقة) أصبحنا نحن (أي اليهود) “العرق الأسمى” الذي آمن به هتلر وتحدث عنه في كتابه ‘كفاحي’ .. “وبكل أسف هؤلاء يروّجون لذلك”!!
تصريحات أو شهادة ‘يعالون’ الجريئة وغير المألوفة، أعقبت جولة ميدانية قام بها في الضفة الغربية للاطلاع “بنفسه” على وقائع ما وصفه بـ”إرهاب المستوطنين”، في ضوء تفاقم الاعتداءات اليومية للمستوطنين على ممتلكات وماشية وأرواح الفلسطينيين في بلدات وقرى عدة داخل الضفة الغربية والقدس المحتلة. وروى الجنرال -الذي يتعرّض حاليًا لحملة شرسة من وزراء ائتلاف النتنياهو- أن ضابطاً سابقاً خدم تحت قيادته في سرية هيئة الأركان الخاصة (وحدة كوماندوز النخبة بالجيش الإسرائيلي) تعرض لإصابة خطيرة بعدما حاول مساعدة فلسطينيين في بلدة بيتا، ولم تستكمل الشرطة الإسرائيلية حتى الآن التحقيق في الاعتداء. كما عدّد أمثلة أخرى للتنكيل “الممنهج” بالمزارعين الفلسطينيين، مشيرًا إلى مقتل أكثر من 20 فلسطينيًا على أيدي المستوطنين -الذين يرتدي بعضهم زي ’هاغمار’ العسكري (وحدة في الجيش تضم مستوطنين متطرفين)، وبعضهم يرتدي ملابس مدنية- ولم يتم اعتقال أي أحد، في مقابل “غياب تام لقوات الأمن التي أمرها ‘بن غفير’ بعدم التدخل”.
ثم يختتم ‘يعالون’ المقابلة بقوله: “أنا أخجل من أن أبناء شعبي يقومون بمثل تلك الأفعال (التي عاني أجدادهم من شبيهاتها).. ما يحدث في الضفة اليوم سيبقى وصمة عارا في تاريخ إسرائيل إلى الأبد”.
أهمية هذا الكلام تتجاوز كونها صادرة عن شخصية عسكرية وسياسية شغلت أعلى المناصب القيادية في إسرائيل، إلى أنها تدفع إلى الواجهة نقاشاً مكتوماً (في دوائر الأكاديميين والمثقفين) حول ما إذا كانت عقود الاحتلال والاستيطان قد أفرزت تيارات قومية ودينية متطرفة -داخل المجتمع الإسرائيلي- باتت تستعير ذات المفاهيم التي قامت عليها الأيديولوجيا النازية، وفي مقدمتها مبدأ “التفوق” العرقي والديني وحق الجماعة المتفوقة في السيطرة على الآخرين وإقصائهم.
المفارقة في أن هذا الجدل ليس جديدًا في الأوساط الإسرائيلية. لأنه يعيد إلى الأذهان التحذير الذي أطلقه المفكر والفيلسوف اليهودي البارز د. ‘يشعياهو ليبوفيتش’، بعد أشهر قليلة من حرب يونيو 1967 (النكسة). فبينما كانت الإسرائيليون يعيشون نشوة الانتصار العسكري واحتلال المزيد من الأراضي العربية في مصر وسوريا وفلسطين، صدم أستاذ الكيمياء الحيوية (الليتواني الأصل) الذي هاجر إلى فلسطين عام 1935 وعمل بالتدريس لستة عقود بالجامعة العبرية في القدس) المجتمع الإسرائيلي بتوقع أن استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية والسيطرة على شعب آخر سيقود إسرائيل بالضرورة إلى التحول لنظام فاشي، وكان من أوائل من استخدم مصطلح “اليهود النازيين” (Judeo-Nazis) في توصيف ممارسات الاحتلال الإسرائيلي.
ويعترف الجنرال ‘موشيه يعالون’ اليوم بأنه لم يعد قادراً على إنكار نبوءة ‘ليبوفيتش’، قائلاً: “عندما كنت قائداً للقيادة الوسطى بالجيش، عملت قدر استطاعتي من أجل ألا يكون ذلك الرجل محقاً… لكنني لا أستطيع الجزم في ضوء ما أراه الآن بأنه لم يكن على صواب”.
والحقيقة أن هذا “التشخيص” لأمراض العقلية اليهودية الصهيونية في تأثرها بالفكر “النازي”، لا يقتصر على ‘يعالون’ أو ‘ليبوفيتش’ وحدهما. إذ سبق لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ‘إيهود أولمرت’ أن وصف عنف المستوطنين بأنه ليس أعمالاً فردية هامشية أو سلوكًا ارتجاليًا، بل “حملة منظمة” تحظى بحماية الدولة وتشجيع من جهات رسمية. وفي مقال نشرته صحيفة ‘هآرتس’، كتب ‘أولمرت’ بالنص أن المستوطنين “ليسوا مجرد متطرفين”، بل “ميليشيا عسكرية وإرهابية عنيفة تقتل وتحرق وتضرب وتطلق النار وتدمر بطريقة منهجية ومخططة ومنظمة كل ما هو غير يهودي في الأراضي (الفلسطينية)”.
أما رئيس الوزراء الأسبق ‘إيهود باراك’، فقد استخدم بدوره توصيف “الإرهاب” لوصف اعتداءات المستوطنين، متهماً حكومة النتنياهو بتوفير الغطاء السياسي والحماية لمرتكبيها. بينما أثار الجنرال السابق والسياسي الحالي ‘يائير غولان’ عاصفة سياسية عندما حذر عام 2016، خلال مراسم إحياء ذكرى المحرقة، من أنه بات يرى داخل المجتمع الإسرائيلي “أدلة” تذكره بالعمليات التي سبقت صعود النازية في ألمانيا.
ويستند منتقدو الحركة الاستيطانية في إسرائيل إلى وجود “مرجعيات فكرية ودينية” تغذي هذا التوجه الإرهابي. إذ تشير دوائر سياسية وإعلامية إسرائيلية باستمرار إلى تأثير حاخامات متطرفين على المجتمع، على رأسهم ‘إسحق غينزبورغ’ و’إسحق شابيرا’ و’دافيد دودكيفيتش’، رواد المدرسة الدينية في مستوطنة ‘يتسهار’ (قرب نابلس)، إحدى أكثر بؤر التطرف الاستيطاني شهرة في الضفة الغربية. وقد أثار الحاخام ‘شابيرا’- مؤلف كتاب “عقيدة الملك” Torat HaMelech- الذي يُعد أحد أبرز المنظرين الأيديولوجيين لتيار “التفوق اليهودي” وإباحة عنف المستوطنين، أثار جدلاً إعلاميًا واسعاً -خصوصًا في الغرب- بسبب تبريره قتل “الأغيار” (أي غير اليهود)، بمن فيهم النساء والأطفال الرُضّع في ظروف السلم والحرب درءًا لـ”الخطر المستقبلي”.
ومع صعود حكومة النتنياهو، المدعومة من أحزاب دينية وقومية متطرفة، يميل عديد المراقبين إلى القول بأن الأفكار المستوحاة من الفكر النازي والتي كانت توصف سابقاً بأنها هامشية، بدأت تنتقل تدريجياً إلى بؤرة السلطة الحاكمة، مستشهدين في ذلك بتصريحات كل من وزير المالية ‘بتسلئيل سموتريتش’، ووزير الأمن القومي ‘بن غفير، ووزيرة الاستيطان ‘ أوريت ستروك’، الذين يدعون علناً إلى ضم الضفة الغربية ويعملون على تسريع مشروعات التوسع الاستيطاني (أحدثها مستوطنة “كارني شومرون” التي أعلن ‘سموتريتش’ الأسبوع الماضي عن استثمارات بقيمة ملياري شيكل لإقامة ستة آلاف وحدة سكنية جديدة بها). وفي الخليل، احتفى بقرار نقل صلاحيات التخطيط والبناء من البلدية الفلسطينية إلى سلطات الاحتلال، في سبيل “توطئة السيادة الإسرائيلية على جميع أنحاء الأرض التاريخية في يهودا والسامرة (الاسم التوراتي للضفة الغربية)”.
وبالتزامن، كشف تحقيق الصحافي ‘أمير إتينغر’ الأخير في ‘يديعوت أحرونوت’
عن توجهات الحكومة نحو “تطبيع العنف الاستيطاني”، مشيرًا إلى تخصيص 5.5 ملايين شيكل من ميزانيتها لدعم ما يعرف بـ”شبيبة التلال”، وهي المجموعات الاستيطانية المسلحة الأكثر تطرفاً التي تنفذ هجمات يومية على الفلسطينيين ونشطاء حقوق الإنسان في الضفة الغربية والقدس.
وبينما اعتبرت منظمة ‘هيومن رايتس ووتش’ أن سياسات الهدم والإخلاء القسري في القدس الشرقية وغيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة ترقى إلى “جريمة حرب”، أثارت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ‘كايا كالاس’ جنون تل آبيب عندما قارنت -خلال اجتماعات مغلقة- معاملة إسرائيل للفلسطينيين بسياسات “التمييز العنصري” Apartheid في جنوب أفريقيا حتى أوائل التسعينيات، وهو ما دفع حكومة النتنياهو إلى فرض “حظر رسمي” على زياراتها لإسرائيل ووضعها على قوائم “غير المرغوب” في التعامل معهم.
لكن كل ذلك لا يمنع من ملاحظة أن المقارنات التاريخية بدأت تخرج من إطار النقاشات الأكاديمية إلى أروقة السياسة الغربية.
ورغم اختلاف السياقات التاريخية بين النازية الألمانية والحركة الصهيونية أو الفكر الاستيطاني الإسرائيلي، فإن اللافت اليوم أن التحذيرات من “النازية اليهودية” لم تعد مقصورة على ناشطين فلسطينيين أو منظمات حقوقية دولية، بل باتت تأتي من شخصيات إسرائيلية قيادية ووازنة، تستند في مقارباتها إلى واقع ميداني يقر بإرهاب المستوطنين المحميين من أجهزة الدولة، وتنامي الخطاب الديني القائم على “التفوق العرقي” والذي بات يبرر عمليًا “محرقة الفلسطينيين” في الضفة وغزة.