
الحبُّ…
ليس اسماً
كي تُناديه اللغة،
ولا معنىً
كي تُحيطَ به القواميس؛
إنه النافذةُ
التي تُطلُّ منها الجهاتُ
على نفسها.
وأنتِ…
وطني الأول،
لكنّ الوطنَ كلمةٌ
ضيّقةٌ على قامتكِ؛
فالأوطانُ تُرسمُ بالحبر،
وأنتِ تُكتبينَ
بالمطر.
قبلَكِ
كانت الأرضُ
تتعثّرُ ببوصلةٍ عمياء،
ثم مررتِ،
فاستدارت الجهاتُ
حولَ اسمكِ
كما يستديرُ الضوءُ
حولَ نافذةٍ لم تُخلق بعد.
وجنوبيُّ الهوى
ليس جنوباً…
إنه الريحُ
حين تتذكّرُ
أن الأشجارَ كانت في البدءِ
صلواتٍ خضراء.
أمشي إليكِ
ولا أصل،
لأن الوصولَ
آخرُ أشكالِ الغياب.
وأعودُ منكِ
ممتلئاً بكِ،
كما يعودُ النهرُ
من البحر
وفي يديه
عطشُ الغيمة.
كلُّ ارتعاشةٍ في فؤادي
طائرٌ
يتعلّمُ للمرة الأولى
أن السماءَ
يمكن أن تنبتَ
داخلَ قفص.
وكلُّ حنينٍ إليكِ
مرآةٌ
تشربُ وجهي
ثم تُعيده
غريباً عن ملامحي.
لم أهبكِ قلبي…
كان القلبُ
غرفةً صغيرةً
في بيتٍ
تبنيه أنفاسُكِ
كلما انهارَ الوقت.
أنتِ البيتُ،
وأنا البابُ
الذي ينسى الخشبَ
كلما لمستْه يدُكِ.
أنتِ عشقي،
لكنّ العشقَ
أضيقُ من أن يحملَكِ؛
أنتِ الفائضُ
الذي تسيلُ منه
الأسماء.
وأنتِ مسكني،
لكنّ البيوتَ
تنامُ خلفَ جدرانها،
وأنتِ
تسكنينَ الهواءَ
حتى يضيقَ الفضاءُ
بفسحته.
وأنتِ نجواي،
لكنّ النجوى
صوتٌ خفيض،
وأنتِ
الصمتُ
حين يُزهر.
في المدنِ
تنامُ الشوارعُ
على أسماءٍ مستعارة،
أما أنا
فأنامُ
على ظلِّ اسمكِ،
فيصيرُ الليلُ
أكثرَ يقظةً من النهار.
أحملُكِ
كما تحملُ البذرةُ
غابةً
لا تعرفُ أنها تنامُ فيها،
وكما يحملُ الضوءُ
ظلَّه
في الجهةِ الأخرى
من النهار.
ليس بيني وبينكِ
مسافة،
بل اتّساعُ عطرٍ
نسيَ الزهرةَ
وتذكّرَ الهواء.
وليس الحبُّ
أن أراكِ،
بل أن يصيرَ الغيابُ
عضواً جديداً
في جسدي.
كلما اقتربتُ منكِ
ابتعدتُ عن اسمي،
حتى صرتُ
أشبهَ بنداءٍ
ينسى صاحبَه.
وإذا سألني أحدٌ:
ما الحبُّ؟
قلتُ:
هو أن تصبحَ امرأةٌ
أكبرَ من وطن،
ووطنٌ
أكثرَ حناناً من أم،
وأمٌّ
تلدُ قلباً
كلما انكسر
أثمر.
وإذا سألني:
أين وطنُك؟
لن أرفعَ إصبعي
إلى جهةٍ في الخريطة،
بل سأغمضُ عينيّ،
لأن الخرائطَ
لا تعرفُ كيف ترسمُ امرأةً،
ولأن الجهاتِ الأربع
ليست سوى محاولاتٍ قديمة
للوصولِ
إلى اسمكِ.
ومنذ أحببتُكِ،
صار العالمُ
يرتّبُ نفسه
داخلَ حرفٍ
يسقطُ من شفتيكِ،
وصرتُ كلما قلتُ:
أحبُّكِ…
أشعرُ أن اللغةَ
تخلعُ جسدَها،
وترتدي
سماءً جديدة.
وحين وصلتُ إليكِ…
انتهتِ القصيدة.
وانطفأتِ البوصلة…
لأنَّ الجهاتِ كلَّها
كانتْ
وجهَكِ.
بقلم: عبد الكريم بعلبكي
لبنان