
العراقي المنحرف في الوضع الملتبس هو العراقي الأمين والشريف والبرئ لأن وجود هذا المخلوق السيئ الحظ في محفل اللصوص يشكل خطراً داهماً أو مؤجلاً يجب التخلص منه بعزله أو طرده أو تهميشه وأقل وصف له انه مريض نفسياً : عند الاختلاف يصبح الجميع خبراء في التحليل النفسي بلا عيادة ولا سرير ولا فحص ولا أسئلة وهذه هي الخفة العقلية الشهيرة في الاحكام الفورية.
أو يصبح شخصية مريبة لأنه معتز بشخصيته ويرفض أن يكون ببغاء في قفص ولم يشترك في وليمة النهب وما ساوى ربعه ولا يستبعد أيضاً النظر اليه كشخص فاشل حتى من الدائرة القريبة منه أمام العقارات والسيارات الفارهة والشقق والحفلات الباذخة وهو على حاله القديم لم يتغير كما لو ان البقاء على أصالته ونبله وقيمه صارت مشكلة وعورة وخطأ يجب تصحيحه.
ولو كان هذا السيئ الحظ يعمل في غرفة من ثلاثة موظفين مثلاً فاسدين وهو الرابع سيكون وجوده بينهم كوجود بوذي في موكب طويريج ويعيش حالة حصار خانق وتنتشر الغمزات واللغة المشفرة بين الزملاء مثل: كارص، طاوة، عطاب، واير، كيبيل الخ والمسكين لا يعرف ان هذه اللغة خصيصا له على انه خطر وشيك. قال لي صديق في العراق إنه عندما يذهب للعمل في المؤسسة، يشعر بأنه ذاهب لخوض حرب عصابات.
في سلطة فاسدة يصبح الانسان السوي مشكلة كما تصبح القيم الاخلاقية والقانونية عبأً ثقيلاً لأنه يرفض التدجين والتلويث ولا يمكن شراؤه بالمال بل يلوح كشخص يحتاج الى مصح عقلي في زمن انقلاب المعايير كما لو أننا في زمن رواية دويستوفسكي” الأبله” عن ميشكين البرئ الطيب الصريح الذي يعامل كأبله في مجتمع منافق.
تولد في المجتمع طبقة جديدة مشوهة مرفهة من حفاة الأمس مع ثقافة ومقاييس وتقاليد وطقوس منحطة شاذة وطارئة: فكيف تعالج هذه العاهات باجراءات أمنية أو في القبض على حفنة حثالات في مهرجان صاخب من الدخان؟.
الامين والشريف والبرئ في نظام فاسد يعيش في حروب مستمرة من التشويه والاقصاء الى الابعاد والاستهداف وعليه خوض هذه المعارك بصمت وسرية لكن عليه أن يحافظ على المظاهر في الخارج وهي مهمة شاقة ومكلفة ومستنزفة.
صارت الافعال الانسانية التي كنا ننظر اليها في الأزمنة القديمة على أنها طبيعية وعادية من المعجزات اليوم كمساعدة محتاج أو اعادة مبلغ أو سائق تاكسي عثر على هاتف أو حقيبة أو مساعدة مسن في عبور الطريق.
تحول الاصل الى استثناء والقاعدة الى معجزة. مع الوقت وتحول الفساد الى عادة أو تطبيع الفساد ينخفض لدى الناس حس توقع الخير من الاخرين ويتحول الغدر والخيانة كسلوك متوقع في حين يتحول العمل الطيب كعمل خارق ومنحرف ومن المحتمل يفسر كعمل مريب وله أهداف خفية وتسود الارتيابية في أكثر الأفعال والاقوال عفوية وبراءة وتُقرأ فيها علامات وشفرات خفية بسبب ” التشوه المعرفي Cognitive distortion” وتحطم المصفاة الطبيعية وولادة المترجم المشوه الذي يحوّل الترهات والتفسيرات الخاطئة الى مواقف عقلانية ويببيع الوهم لنفسه قبل غيره .
عندما تصبح الأمانة بطولة، فهذا دليل على ان المجتمع وقع في هاوية لن يخرج منها سالماً مطلقاً .
عالم الاجتماع الفرنسي الكبير ومؤسس علم الاجتماع الحديث أميل دوركايم رأى ان إستمرار المجتمع لا يتم بسبب القوة العسكرية ولا القوانين فحسب لأن هذه تؤجل انهياره، بل بفضل ما أسماه ” الضمير الجمعي Collective Consciousness” أي القواعد الاجتماعية والقيم المشتركة.
وعندما تنهار هذه الشبكة يمر المجتمع بمرحلة تسمى” الأنومي” تفكك القواعد الاخلاقية وتصبح المصلحة الفردية خارج المعايير العامة التي تضبط ايقاع المجتمع ــــــــــ كل فر يحلل ويحرم حسب مصلحته بلا قواعد ولا قيم عامة ـــــــــــــ ويدخل الجميع في صراع مع الجميع وتتآكل كل الروابط القديمة المشتركة وتحل مكانها قيم الغلبة والشطارة والنصب والاحتيال وتلك مرحلة الاحتضار التي تسبق الانهيار النهائي الذي يمر بمراحل. عرض أقل