رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب :إعادة تشكيل الشرق الأوسط… بين منطق القوة واستحقاقات السلام

لا تُقاس أهمية الحروب بما تُحدثه من دمار فحسب، بل بما تُخلِّفه من تحولات في موازين القوى، وإعادة رسمٍ لخرائط النفوذ، وتغييرٍ في مسار التاريخ.

ومن هذا المنظور، لم تكن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية، بل محطة مفصلية تؤذن بدخول الشرق الأوسط مرحلة جديدة، يتداخل فيها الصراع العسكري مع التنافس الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي، في ظل نظام دولي يتجه نحو مزيد من التعددية والتعقيد.

لقد أكدت هذه الحرب أن مفهوم القوة لم يعد يُقاس بحجم الجيوش والترسانات وحدها، بل بقدرة الدول على حماية أمنها الوطني بمفهومه الشامل؛ اقتصاداً، وطاقةً، وتكنولوجيا، وأمناً سيبرانياً، وتماسكاً مجتمعياً.

كما كشفت أن الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، أصبحت أدوات حاسمة في صياغة معادلات الردع، بما ينذر بسباق تسلح جديد ستكون كلفته باهظة على المنطقة والعالم.

ولم تكن التداعيات الاقتصادية أقل خطورة من المواجهات العسكرية.

فالتوتر في الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الاستراتيجية أعاد التذكير بهشاشة الاقتصاد العالمي أمام الأزمات الجيوسياسية. ويكفي أن تتعرض طرق إمدادات الطاقة أو التجارة الدولية للاضطراب حتى ترتفع تكاليف النقل والتأمين والشحن، وتزداد الضغوط التضخمية، وتتراجع معدلات النمو، وتثقل الأعباء المعيشية على الشعوب، ولا سيما في الدول النامية.

وسياسياً، تتجه المنطقة إلى إعادة صياغة خرائط النفوذ والتحالفات، في ظل تنافس متزايد بين القوى الكبرى على الممرات البحرية، ومصادر الطاقة، ومواقع التأثير الاستراتيجي.

غير أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية جديدة ستظل عرضة للاهتزاز إذا قامت على موازين القوة وحدها، وتجاهلت جذور الصراع التاريخية ومقتضيات العدالة والاستقرار.

وفي قلب هذه التحولات، كانت فلسطين الخاسر الأكبر.

فقد أتاح انشغال المجتمع الدولي بتداعيات الحرب للإحتلال الإسرائيلي توسيع نطاق عملياته العسكرية في قطاع غزة، وتصعيد إجراءاته في الضفة الغربية والقدس المحتلة.

ففي غزة، تتواصل الكارثة الإنسانية مع الدمار الواسع، وتفاقم المجاعة، وانهيار المنظومة الصحية والخدمات الأساسية، وتدهور الأوضاع المعيشية إلى مستويات غير مسبوقة.

أما في الضفة الغربية، فقد دخلت السياسات الإسرائيلية مرحلة أكثر خطورة، تتجاوز الإجراءات الأمنية التقليدية إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي والسياسي. ويتجلى ذلك في التوسع الاستيطاني المتسارع، وتصاعد الاقتحامات والاعتقالات، وتزايد اعتداءات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية، بالتوازي مع تعزيز الانتشار العسكري الإسرائيلي على نطاق واسع، بما يعكس توجهاً نحو فرض وقائع جديدة على الأرض تجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر تعقيداً.

وفي القدس المحتلة، تتواصل محاولات تغيير الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة، وفرض أمر واقع يتعارض مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

إن أخطر ما في هذه السياسات أنها لا تقتصر على تعميق معاناة الشعب الفلسطيني، بل تهدد مستقبل الاستقرار الإقليمي بأسره.

فالتجارب التاريخية أثبتت أن الاحتلال قد يفرض السيطرة بالقوة، لكنه لا يمنح نفسه الشرعية، وأن الأمن القائم على التفوق العسكري وحده يبقى أمناً هشاً، ما دامت أسباب الصراع قائمة دون معالجة.

ومن هنا، فإن مسؤولية المجتمع الدولي لم تعد تقتصر على إدارة الأزمات أو إصدار بيانات الإدانة، بل تقتضي اتخاذ خطوات عملية لحماية المدنيين، وضمان احترام القانون الدولي، ووقف الاستيطان، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وإطلاق مسار سياسي جاد يفضي إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفق قرارات الشرعية الدولية.

إن ما يجري اليوم يتجاوز حدود حرب إقليمية عابرة؛ فهو جزء من عملية إعادة تشكيل للشرق الأوسط وللنظام الدولي معاً.

غير أن نجاح أي نظام إقليمي جديد لن يقاس بحجم التحالفات العسكرية أو موازين الردع، بل بقدرته على تحقيق سلام عادل ومستدام.

وستظل القضية الفلسطينية معيار هذا النجاح؛ لأنها ليست مجرد ملف سياسي، بل جوهر الاستقرار في المنطقة.

ومن دون إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، ستظل المنطقة تدور في حلقة متجددة من الأزمات والصراعات، وسيبقى العالم يدفع جانباً من ثمنها.

لقد أثبت التاريخ أن الحروب تستطيع أن تغيّر موازين القوى، لكنها لا تستطيع أن تلغي الحقوق، ولا أن تصنع سلاماً دائماً.

فالسلام لا يولد من فوهات المدافع، بل من العدالة، واحترام القانون الدولي، والإيمان بأن أمن الشعوب لا يتحقق إلا بصون كرامتها وحقوقها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى