كتاب وشعراء

مرثية محمود درويش – حكم القضاء.. شعر: أحمد عبد الرحمن أبو الرب

كُشِفَ الغِطاءُ لأَعْيُنِ البُصَراءِ
عَنْ سِرِّ مَكْنونِ الرَّدى بجَلاءِ
كُلُّ امْرِئٍ لا بُدَّ يَلْقى حَتْفَهُ
إِنْ آجِلاً أَوْ عاجِلاً بِقَضاءِ
لا شَيءَ غَيْرُ اللَّهِ يَبْقَ مُخْلَّدًا
هَيْهاتَ أَنْ نَنْعَم بِطولِ بَقاءِ
فَتَعاقُبُ الأَجْيالِ في فَلَكِ الرَّدى
كَتَعاقُبِ الإِصْباحِ وَالإِمْساءِ
لم يَبْقَ لِلإِنْسانِ بَعْدَ فَنائِهِ
أَبَدا سِوى الذِّكْرى وَحُسْنَ ثَناءِ
يِا أَيُّها الشُّعَراءُ ما الذِّكْرى سِوى
طَيْف اجْتِماعٍ راقَ عَيْنُ الرائي
دَرْويشُ في دُنْياكَ أَحْرَزْتَ العُلا
حَتَّى وَطِئْتَ مَنازِلَ العَلْياءِ
فَسَبَكْتَ مِنْ غُرَرِ القَوافي دُرَّها
تِلْكَ الأَوابِدَ في سَنَىً وَسَناءِ
وجمَعْتَ أَشْتاتَ الفَضائِلِ كُلَّها
حَتَّى شمِلْتَ فَضائِلَ النُّجَباءِ
يا طاهِرَ الأَعْراقِ حَسْبُكَ شاعرٌ
زاكي النَّقيبَةِ صائِبُ الآراءِ
يا عَبْقَرِيَّ الذِّكْرِ صيتُكَ في السَّما
زُهْرُ الكواكب خُلَّدُ اللألاءِ
دَرْويشُ أنتَ نَسيجُ وَحْدِكَ في الدُّنا
وَلَدتْكَ أُمُّكَ في بُروجِ سماءِ
أسْطورَةُ التَّاريخِ مَهْدُ حَضَارَةٍ
تَرْعَى الذِّمامَ وَسُؤْدُدَ الآباءِ
قدْ كُنْتَ في دنيا الوَرى إِلْفَ الحِجى
عَفَّ السَّريِرةِ؛ طَيِّبَ الأَنْباءِ
جاوزْتَ أَكْنافَ السُّهَى في هِمَّةٍ
تَعْلو السِّماكَ وَمَبْعَثَ الأَضْواءِ
فَرَكَزْتَ أَلْوِيَةَ الفِدا خَفَّاقَةً
بِذُرا العُلا في سُؤْدُدٍ وَعَلاءِ
وَجَعَلْتَ مِنْ إيفاءِ عَهْدِكَ لِلوَرى
سِفْرا يُسَطِّرُ سُنَّةَ الأُمَناءِ
وَسَهِرْتَ تُصْلِحُ رَأبَ صَدْعِ أحبَّةٍ
حَتَّى حُرِمْتَ لَذاذَةَ الإِغْفاءِ
وَدَأَبْتَ تحْمِلُ هَمَّ كُلِّ مُشَرَّدٍ
وَمُعَذَّبٍ وَمُقَطَّعِ الأَشْلاءِ
وَالنَّفْسُ في كَمَدٍ عَلى السَّجْنَى الأُلى
وَمَنِ ابْتَلاهُ الدَّهْرُ بِالأَرْزاءِ
وَاليَوْمَ قَدْ أَمْسَى تَوَسُّدُكَ الثَّرى
حُكْمَ القَضاءِ وَلاتَ حينَ فِداءِ
تَبْكيكَ مِنْ قُدْسِ الرِّباطِ مَآذِنٌ
وَكَنائِسٌ وَمَدارِسُ الإِسْراءِ
أسوارُها؛ أبوابُها؛ وقِبابُها
رَهْنُ البَلى مِنْ صَدْمَةٍ خَرْساءِ
وَزُقَاقُها وَالمَشْرَبِيَّاتُ العُلا
كَدْراءُ مِثْلَ كَواكِبِ الجَوْزاءِ
حتى غُصونُ السِّنْديانِ نَوائِحُ
وَالتّينُ والزَّيْتونُ في إِيلْْياءِ
لا الطَّيْرُ في أَوْكَارِها مِنْ غُصَّةٍ
الأَحزانِ؛ لا لِتَرَنُّمِ الوَرْقاءِ
لا شَدْوَ يُسْمَع لِلْبَلابِلِ لا ولا
سّجْعَ الهِزارِ وَرَنَّةَ المُكَّاءِ
فَعَلَيْكَ يا دَرْويشُ أَلْفُ تحِيَّةٍ
مِسْكِيَّةٍ نَفّاحَةِ الأَشْذاءِ
يا ربِّ فارْحَمْ شاعِراً عَشِق الحِمى
وامْنُنْ عَلَيْهِ بِديمٍَة وَطْفاءِ
وَاجْعَلْ سَناءَ القَبْرِ في غَسَقِ الدُّجى
بَدْراً يُنيرُ مَسالِكَ الشُّعَراءِ

شعر: أحمد عبد الرحمن أبو الرب
قباطية _ فلسطين
15/ 9 / 2008 م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى