
يقتضي تحليل المواجهة الخشنة في العلاقات الدولية رصد ثلاثة ابعاد:
أ- ميزان القوى في ابعاده السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والتقنية بين اطراف المواجهة
ب- فن إدارة متغيرات القوة لتحقيق اكبر قدر من المكاسب أو اقل قدر من الخسائر
ت- طبيعة الظرف الدولي لحظة المواجهة( هل هو حرب ساخنة او باردة او اميل للتعاون ..او يعيش ازمات اقتصادية حادة ..الخ.
وعند قراءة المشهد الحالي بين ايران والولايات المتحدة تتبدى لنا ملامح اولية :
1- نقاط الضعف الايرانية:
أ- يعاني الاقتصاد الايراني من مجموعة من المؤشرات تتمثل بشكل رئيسي في ارتفاع معدلات التضخم ،وتراجع قيمة العملة المحلية ثم تآكل القدرة على جذب الاستثمارات الخارجية ناهيك عن قصور القدرة على الوصول للاسواق العالمية بالقدر الكافي.
ب- قدرات ايران العسكرية فيها جوانب ضعف لعل ابرزها الاعتماد على طائرات حربية يكاد ان يكون معظمها قديما، كما ان دفاعاتها الجوية رغم بعض التحسن مؤخرا لا تتناسب في قدرتها مع التفوق الجوي الامريكي،كما ان توظيفاتها للحرب غير المتناظرة في المجال البحري ما تزال أقل كفاءة مما يستوجبه الميدان القائم، وتتعزز هذه الثغرات العسكرية بضيق شبكة الحلفاء الدوليين لايران ، مما يجعل اسنادها في هذا الجانب محدودا .
ت- تعاني ايران من جوار جيوسياسي في معظمه لا يتعاطف مع مواقفها في الحد الادنى ،ويعاديها في الحد الاعلى، وهو ما يتضح في الجوار العربي والجوار الأذري والتردد التركي والباكستاني، وهو ما يضيق حركة ايران استراتيجيا.
ث- وجود حركات مسلحة داخلية معارضة للنظام لاسباب قومية او مذهبية(سنة وشيعة) او آيديولوجية في معظم اطراف الجغرافيا الايرانية ،وهو ما يجعل منها اكثر نزوعا للحركة ضد المركز(الاكراد والبلوش والعرب..الخ) وبخاصة مع التحريض الخارجي لهذه القوى.
ج- قدرة الاعلام الغربي والعربي والاسرائيلي على تكريس فكرة ” دعم ايران للارهاب” ، وهو ما يجعل درجة التعاطف معها اقل مما تنتظره ايران التي تحاول تقديم نفسها انها تقاوم “الطغيان الدولي”.
ح- ان معدلات الاستقرار السياسي والفساد والديمقراطية في ايران ما تزال تضع ايران في الصف الخلفي قياسا لموقعها الدولي.
خ- لا زال الاعلام الايراني وخاصة التصريحات الرسمية التي ينقلها الاعلام الرسمي يعاني من مبالغات في تقييم القدرات الذاتية والقدرة على ايذاء الطرف الآخر، وهو ما يخلق انتظارا من المجتمع وانصار ايران لنتائج مبهرة –طبقا لوعود القادة الايرانيين- ولكنها لا تكتشف نتائج تتوازى مع الوعود الرسمية ،وهو ما يفقد هذه التصريحات بعضا من مصداقيتها.
2-لكن لايران رصيدا من متغيرات القوة التي قد تقلص من وزن متغيرات الضعف :
أ- القيمة الكبيرة لدور الجغرافيا الايرانية، فايران بمساحتها التي تعادل حوالي اربعة اضعاف مساحة العراق ، وانتشار سلاسل جبال حولها وبخاصة في المناطق الاستراتيجية والحساسة يجعل احتمالات الاحتلال البري نوعا من المغامرة عالية التكلفة وغير مضمونة النتائج.
ب- لعل منهج ” الغموض الاستراتيجي “الايراني في المجال النووي ، وادراك المجتمع الدولي بان ايران تقف عند العتبة النووية ، يجعل احتمالات الانتقال الى الدولة النووية امر لا يجوز استبعاده ، ناهيك عن تزايد الشكوك بعد تلميحات كورية شمالية مؤخرا عن موضوع حلفاء امريكا النوويين ، وبعد طرح فكرة اعادة تأويل الفتوى الدينية النووية الايرانية بتحريم القنبلة النووية بحيث يقتصر التحريم على الاستخدام لا على الملكية تتعزز احتمالات المفاجأة مهما كانت نسبة هذا الاحتمال متدنية ،لكنها تنقلنا الى مستوى ما تسمية الدراسات المستقبليةالمتغير قليل الاحتمال عظيم التأثير(Low Probability-high Impact)..
ت- عند استعراض الاهداف العسكرية(بخاصة ذات العلاقة بالبرنامج النووي الايراني) او المنشآت الأخرى نجد انها موزعة بشكل متباعد وبمسافات كبيرة، فعدد المنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي الايراني تقارب 22 وحدة، غير ان المسافات الفاصلة بين هذه المرافق تتراوح في حدها الادني بين 130 كيلومتر وفي حدها الاقصى 450 كيلومتر، مما يجعل استهدافها اكثر تعقيدا (المفاعل النووي العراقي تم تدميره بضربة واحدة لانه في موقع واحد).
ث- القدرة التصنيعية العسكرية الايرانية والتي تتجاوز 70% من حاجة ايران بخاصة في مجال الصواريخ المختلفة(الباليستية والكروز) والطائرات المسيرة، وهي اسلحة ذات وظيفة ردعية واضحة.، ناهيك عن توفر قاعدة علمية متنامية في ايران تجعلها قادرة على التطوير وتعويض الخسائر البشرية بين نخبها العلمية التي يجري اغتيالها.
ج- التحكم العالي في مضيق هرمز ، فضيق المضيق ،وانتشار حوالي تسع جزر ايرانية في المضيق لكل منها مياهها الاقليمية ،وتواجد قوات الحرس الثوري في كل هذه الجزر ، ناهيك عن اشراف سلسلة جبال زاغروس على المضيق بارتفاعات جبلية تتراوح بين ثلاثة آلاف متر و اكثر من خمسة آلاف متر ،وهي مناطق وعرة جدا وذات صخور رسوبية ، وتتواجد على امتدادها مواقع محصنة للحرس الثوري .ولعل هذا التحكم في المضيق يضع ايران في موقف تفاوضي بالغ الاهمية وقابل للتوظيف السياسي والاقتصادي والعسكري.
ح- نجحت ايران في بناء شبكة تحالفات اقليمية قادرة على التأثير بمستويات متباينة،وتكاد تتسم هذه التحالفات بانها ذات طابع شعبي اكثر منها ذات طابع رسمي ،مما يجعل حركتها اكثر استقلالية عن القوى الرسمية في مجتمعاتها.
خ- رغم الحصار الاقتصادي على ايران ،إلا انها تمكنت من التكيف مع متغيرات هذا الحصار من خلال:
1- تنويع اسواق التصدير مع التركيز على آسيا بخاصة الصين والعراق وتركيا بل والامارات العربية..الخ.
2- اغراء بعض الدول باستخدام عملات هذه الدول او عملات غير الدولار في عقد الصفقات مع ايران.
3- زيادة نمط المقايضة التجارية ، اي بيع النفط مقابل الحصول على سلع لا على دفع نقدي.
4- اتساع شبكة الوسطاء التجاريين الذي يشكلون طرفا ثالثا في الصفقات، فتتم الصفقة مع دولة معينة،وتشتري هذه الدولة السلع لها، ثم تعود لتصديرها لايران لتجنب البيع المباشر من الدولة الاولى لايران، وهو ما ساهم في نمو القطاع غير الرسمي في التجارة.
5- التركيز على تعزيز الصناعات المحلية بخاصة في مجالات الدواء والغذاء والقطاعات الهندسية
6- ساهم انضمام ايران الى بعض التكتلات الاسيوية والاوراسية (البريكس وشنغهاي..الخ) في لجم او تعويض بعض الثغرات في المجال الاقتصادي.
ورغم قوة الولايات المتحدة في الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية والتقنية، الا ان ايران تحاول استغلال نقاط الضعف الامريكية، واهم الجوانب هنا هي:
1- ادراك ايران ان الراي العام الامريكي يشكل عاملا مهما في بنية السلطة الامريكية (عبر الانتخابات للرئيس والكونجرس..الخ)، ومن هنا فهي تحاول استثمار اخطاء سياسات ترامب التي لا تلقى ترحيبا من المجتمع الامريكي وقواه السياسية، وهو ما تعكسه استطلاعات الرأي العام الامريكية.
2- تشكل القواعد الامريكية في المنطقة نقطة ضعف لامريكا في “أحد ابعادها” ، فكل القواعد الامريكية تطالها اليد الايرانية ، وهو ما يشكل عامل ضغط لصالح ايران.
3- القدرة على اضطراب السوق النفطي من حيث:
أ- تقليص كميات العرض بسبب اغلاق المضيق مما يقود الى ارتفاع اسعار الطاقة(الغاز والنفط)، وهو عامل ضغط كبير بخاصة لاوروبا واليابان ..الخ.
ب- اجبار الولايات المتحدة وأغلب حلفاءها على السحب من احتياطيات النفط والغاز المخزن لديها، وهو امر يشكل مشكلة في حالة استمراره لفترة طويلة.
ت- ان ارتفاع الاسعار وضيق الوصول لموارد النفط والغاز يعزز الموقف الروسي ماليا واستراتيجيا، وهو امر قد تُقدم روسيا مقابلا له لايران.
4- تراهن ايران على ان التجارب التاريخية تشير الى ان الولايات المتحدة تفشل في الحروب طويلة الامد، او تكون نتائج حروبها الطويلة دون الهدف الذي حددته.
5- يبدو ان الثقافة السياسية في المعارضة الايرانية يغلب عليها التمييز بين معارضة سياسات النظام وبين “استقلال وسيادة الكيان السياسي” ، ومن هنا لم نر المعارضة الايرانية تستجيب لنداءات التحريض الغربية والاسرائيلية والمطبعين العرب _على الاقل حتى الآن-.، ولعل ذلك جعل الرهان على اسقاط النظام يتوارى تدريجيا.
6- تحاول ايران ان تستثمر الصورة السلبية المتزايدة في المجتمع الدولي ضد اسرائيل، وهو ما يلقى تفهما ” نسبيا “قياسا للفترات الماضية من المجتمع الدولي في العداء الايراني لاسرائيل.
الخلاصة:
يبدو ان النصر المطلق لن يكون لاحد الطرفين في المدى الزمني المباشر ، كما ان احتمالات نشوب مواجهات دولية الى ما هو قائم سيزيد الصورة اضطرابا، ويبدو ان احتمالات تحولات في الخليج العربي وبخاصة مع تنامي التهديدات المتبادلة بين اليمن والسعودية او في مضيق تايوان او مفاجآت ترامبية ستزيد من هذا التعقيد..لكن تقديري التمهيدي هو ان الطرف العربي هو الخاسر الاول أيا تكن النتائج….ربما.