
في الجهةِ
التي لا تصلُ إليها المرايا،
أقيم.
كلُّ وجهٍ جرّبتُه
كان يتركني أفقرَ إلى نفسي،
وكلُّ نافذةٍ فتحتُها
كانت تُطلُّ على غرفةٍ أخرى،
من غرفِ التيهِ،
لا على الضياء.
أستأجرُ وجهًا كلَّ صباح،
وأُعيده آخرَ النهار،
دون أن يحملَ ملامحي،
أو يتذكّرَ مَن سكنه.
أعلِّقُه عند الباب،
إلى جوارِ معطفي المبتلِّ بالغياب،
ثم أدخلُ إلى يومي
بهيئةِ رجلٍ يعرفُ طريقه،
بينما يتعثّرُ في داخلي
طفلٌ أضاع اسمَه،
وما يزالُ يطرقُ جدرانَ صدره،
لعلَّ بابًا يرقُّ له .
أساكنُ فوضاي
بعنايةِ ساكنٍ وحيد،
يوقّعُ كلَّ صباح
في سجلِّ حضورِ الغياب،
ثم يعودُ إلى صمتِه،
كأنَّ شيئًا لم يمت.
أجمعُ ما تناثرَ منّي،
وأُميلُ قلبي عن الأنظار،
أصافحُ الناس بكفٍّ باردة،
وأُخبّئُ في الكفِّ الأخرى
ارتعاشةَ عمرٍ كامل،
لم يجدْ كتفًا، يتكئُ عليه.
أرتّبُ أيّامي كما يرتّبُ ناسكٌ
رمادَ مواقدِه القديمة،
خشيةَ أن تنهضَ من جمرةٍ
حكايةٌ أخفقَ في دفنها،
أو ينهضَ من دفئها
وجهٌ غادرَ منذ أعوام،
وما يزالُ صوتُه معلّقًا
في سقفِ الذاكرة.
أمشي بخطواتٍ مدروسة،
لا لأنَّ الطريقَ يستحقُّ كلَّ هذا الحذر،
بل لأنني أخشى
أن أوقظَ ذلك الطفل، الذي
يجلسُ في آخرِ الممر،
ويعدُّ الأبوابَ واحدًا بعد آخر،
الأبوابَ التي خرجَ منها الجميع،
ولم يعدْ من أحد .
كلُّ شيءٍ حولي يبدو مستقيمًا،
إلّا الطريقَ الذي يمتدُّ ملتويًا في داخلي،
يهبطُ كلّما صعدتُ،
ويضيقُ كلّما اتّسعَ النهار.
أكسو صوتي
طبقةً من هدوء،
أُغلقُ النوافذَ
المؤدّيةَ إلى ارتباكي القديم،
حتى صرتُ أشبهَ بيتًا
تُضاءُ واجهتُه كلَّ مساء،
بينما …
غرفُه لم تعرفِ الضوء منذ أعوام .
أعلّقُ ستارةً من الطمأنينة
على نافذتي المكسورة،
أتركُ الريحَ تدخلُ من بابٍ لا يراهُ أحد.
فتوقظُ الغبارَ النائمَ على صورِ الراحلين،
وتبعثرُ ما خبّأتْه الرفوفُ من صمت.
ثم تغادرُ وقد حملتْ معها شيئًا
من رائحةِ الخراب.
وحين يسألني العابرون
عمّا بقي مني …
أبحثُ في وجهي
عن إجابة،
فلا أجدُ سوى ابتسامةٍ
أتقنتِ الوقوفَ مكانَ الحقيقة.
مثلَ نافذةٍ ….
رسموها على جدارٍ أصم،
ليقنعوا العابرين
أنَّ البيتَ ما يزالُ مأهولًا.
أتقنُ الضحكَ
في مواسمِ الانكسار،
وأصمتُ حين ينتظرون كلامي،
حتى صرتُ تمثالًا
يؤدّي واجبَ الحياة،
ويقفُ حيثُ ينبغي أن يقف،
ولا يصلُ إلى أحد.
ولطالما حسبتُ النجاةَ بابًا
يقودُ إلى الخارج،
ثم أدركتُ أنَّ الخارجَ
ليس سوى غرفةٍ أوسع،
وأنَّ الإنسانَ
قد يعبرُ ألفَ نافذة، وألفَ ممر،
ثم يجدُ نفسَه
في الموضعِ الذي هربَ منه.
النجاةُ
ليست جمعَ الحطام،
بل أن نعبرَ فوقه دون أن يُشبهنا،
وأن نحملَ خرابَنا
كما تحملُ شمعةٌ وحيدة
آخرَ ما تبقّى من الضوء،
في مدينةٍ …
تعلّمتْ أن تعيشَ على الحرائق.
أمّا أنا،
فما عدتُ أبحثُ عن مخرج،
بل عن اتّساعٍ
يكفي لكلِّ هذا الصدى.
عن جدارٍ لا يعيدُ إليَّ صوتي،
وعن نافذةٍ …
لا تُفضي إلى غرفةٍ أخرى
من التيهِ.
أريدُ مكانًا
لا أستأجرُ فيه وجهٌا،
ولا أعلِّقُ قلبي خلفَ الباب،
ولا أحتاجُ كلَّ صباح
إلى توقيعِ حضورِ الغياب.
أريدُ أن أعودَ إلى نفسي،
كما يعودُ الضوءُ إلى بيتٍ مهجور،
لا ليكشفَ ما تهدَّم،
بل ليقولَ للظلمة:
لقد طال مقامكِ هنا.
فهذا البيتُ
ما زال يحفظُ نبضَ أولِ ساكنيه،
وما تزالُ جدرانُه ترددُ اسمي.
أنا الآن …
مقيمٌ حيث لا تصلُ المرايا،
لا أستأجرُ وجهاً، لا أطرقُ باباً،
أنا البيتُ، ومصباحُه، والطفلُ الذي عادَ .
✍️إبراهيم علي الإدريسي
2026/7/31 بغداد