كتاب وشعراء

الجهة التي لا تصل إليها المرايا.. بقلم: إبراهيم علي الإدريسي

في الجهةِ
‏التي لا تصلُ إليها المرايا،
‏أقيم.

‏كلُّ وجهٍ جرّبتُه
‏كان يتركني أفقرَ إلى نفسي،
‏وكلُّ نافذةٍ فتحتُها
‏كانت تُطلُّ على غرفةٍ أخرى،
‏من غرفِ التيهِ،
‏لا على الضياء.

‏أستأجرُ وجهًا كلَّ صباح،
‏وأُعيده آخرَ النهار،
‏دون أن يحملَ ملامحي،
‏أو يتذكّرَ مَن سكنه.

‏أعلِّقُه عند الباب،
‏إلى جوارِ معطفي المبتلِّ بالغياب،
‏ثم أدخلُ إلى يومي
‏بهيئةِ رجلٍ يعرفُ طريقه،

‏بينما يتعثّرُ في داخلي
‏طفلٌ أضاع اسمَه،
‏وما يزالُ يطرقُ جدرانَ صدره،
‏لعلَّ بابًا يرقُّ له .

‏أساكنُ فوضاي
‏بعنايةِ ساكنٍ وحيد،
‏يوقّعُ كلَّ صباح
‏في سجلِّ حضورِ الغياب،
‏ثم يعودُ إلى صمتِه،
‏كأنَّ شيئًا لم يمت.

‏أجمعُ ما تناثرَ منّي،
‏وأُميلُ قلبي عن الأنظار،
‏أصافحُ الناس بكفٍّ باردة،
‏وأُخبّئُ في الكفِّ الأخرى
‏ارتعاشةَ عمرٍ كامل،
‏لم يجدْ كتفًا، يتكئُ عليه.

‏أرتّبُ أيّامي كما يرتّبُ ناسكٌ
‏رمادَ مواقدِه القديمة،
‏خشيةَ أن تنهضَ من جمرةٍ
‏حكايةٌ أخفقَ في دفنها،
‏أو ينهضَ من دفئها
‏وجهٌ غادرَ منذ أعوام،
‏وما يزالُ صوتُه معلّقًا
‏في سقفِ الذاكرة.

‏أمشي بخطواتٍ مدروسة،
‏لا لأنَّ الطريقَ يستحقُّ كلَّ هذا الحذر،
‏بل لأنني أخشى
‏أن أوقظَ ذلك الطفل، الذي
‏يجلسُ في آخرِ الممر،
‏ويعدُّ الأبوابَ واحدًا بعد آخر،
‏الأبوابَ التي خرجَ منها الجميع،
‏ولم يعدْ من أحد .

‏كلُّ شيءٍ حولي يبدو مستقيمًا،
‏إلّا الطريقَ الذي يمتدُّ ملتويًا في داخلي،
‏يهبطُ كلّما صعدتُ،
‏ويضيقُ كلّما اتّسعَ النهار.

‏أكسو صوتي
‏طبقةً من هدوء،
‏أُغلقُ النوافذَ
‏المؤدّيةَ إلى ارتباكي القديم،
‏حتى صرتُ أشبهَ بيتًا
‏تُضاءُ واجهتُه كلَّ مساء،
‏بينما …
‏غرفُه لم تعرفِ الضوء منذ أعوام .

‏أعلّقُ ستارةً من الطمأنينة
‏على نافذتي المكسورة،
‏أتركُ الريحَ تدخلُ من بابٍ لا يراهُ أحد.
‏فتوقظُ الغبارَ النائمَ على صورِ الراحلين،
‏وتبعثرُ ما خبّأتْه الرفوفُ من صمت.
‏ثم تغادرُ وقد حملتْ معها شيئًا
‏من رائحةِ الخراب.

‏وحين يسألني العابرون
‏عمّا بقي مني …
‏أبحثُ في وجهي
‏عن إجابة،
‏فلا أجدُ سوى ابتسامةٍ
‏أتقنتِ الوقوفَ مكانَ الحقيقة.
‏مثلَ نافذةٍ ….
‏رسموها على جدارٍ أصم،
‏ليقنعوا العابرين
‏أنَّ البيتَ ما يزالُ مأهولًا.

‏أتقنُ الضحكَ
‏في مواسمِ الانكسار،
‏وأصمتُ حين ينتظرون كلامي،
‏حتى صرتُ تمثالًا
‏يؤدّي واجبَ الحياة،
‏ويقفُ حيثُ ينبغي أن يقف،
‏ولا يصلُ إلى أحد.

‏ولطالما حسبتُ النجاةَ بابًا
‏يقودُ إلى الخارج،
‏ثم أدركتُ أنَّ الخارجَ
‏ليس سوى غرفةٍ أوسع،
‏وأنَّ الإنسانَ
‏قد يعبرُ ألفَ نافذة، وألفَ ممر،
‏ثم يجدُ نفسَه
‏في الموضعِ الذي هربَ منه.

‏النجاةُ
‏ليست جمعَ الحطام،
‏بل أن نعبرَ فوقه دون أن يُشبهنا،
‏وأن نحملَ خرابَنا
‏كما تحملُ شمعةٌ وحيدة
‏آخرَ ما تبقّى من الضوء،
‏في مدينةٍ …
‏تعلّمتْ أن تعيشَ على الحرائق.

‏أمّا أنا،
‏فما عدتُ أبحثُ عن مخرج،
‏بل عن اتّساعٍ
‏يكفي لكلِّ هذا الصدى.
‏عن جدارٍ لا يعيدُ إليَّ صوتي،
‏وعن نافذةٍ …
‏لا تُفضي إلى غرفةٍ أخرى
‏من التيهِ.

‏أريدُ مكانًا
‏لا أستأجرُ فيه وجهٌا،
‏ولا أعلِّقُ قلبي خلفَ الباب،
‏ولا أحتاجُ كلَّ صباح
‏إلى توقيعِ حضورِ الغياب.

‏أريدُ أن أعودَ إلى نفسي،
‏كما يعودُ الضوءُ إلى بيتٍ مهجور،
‏لا ليكشفَ ما تهدَّم،
‏بل ليقولَ للظلمة:
‏لقد طال مقامكِ هنا.
‏فهذا البيتُ
‏ما زال يحفظُ نبضَ أولِ ساكنيه،
‏وما تزالُ جدرانُه ترددُ اسمي.

‏أنا الآن …
‏مقيمٌ حيث لا تصلُ المرايا،
‏لا أستأجرُ وجهاً، لا أطرقُ باباً،
‏أنا البيتُ، ومصباحُه، والطفلُ الذي عادَ .

‏✍️إبراهيم علي الإدريسي
‏ 2026/7/31 بغداد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى