رؤي ومقالات

محمود سيد محمد يكتب :من عاصفة الحزم إلى تحالف باكستان وتركيا: لماذا تتكرر الهزيمة رغم تغيّر الأسماء؟

قبل الخوض في التحليل، أؤكد أنني أسير هنا بمنهجية موضوعية قدر الإمكان، وسواء اتفقنا مع جماعة أنصار الله (الحوثيين) أو اختلفنا، وحتى وإن اعتبرناها طرفاً إشكالياً، لكن الواقع يا عزيزي الآن أن هذه الجماعة أصبحت حقيقة سياسية وعسكرية راسخة في اليمن، ورقماً صعباً لا يمكن تجاوزه، بل إنها باتت محوراً تقام من أجله التحالفات وتُحسب له ألف حساب، وإذا استبعدنا كل الاحتمالات المستحيلة، فلن يتبقى أمامنا سوى قراءة الحقائق كما هي على الأرض. في تطور لافت، وقّعت كل من تركيا وباكستان والسعودية على اتفاق دفاع مشترك، ينص أبرز بنوده على التزام الأطراف بالدفاع عن بعضها البعض في حال تعرّض أي منها للعدوان، ونظراً لأننا أمام تحالف يضم ثلاث دول ذات مجتمعات مسلمة، فإن استيعاب أبعاده يتطلب تفكيك سياقاته ومآلاته، والتي تصطدم بستة مستحيلات جوهرية؛ أولها غياب العدو المشترك، إذ تقوم التحالفات العسكرية عادة على وجود خطر مشترك يهدد جميع الأطراف بجدية، لكن هذا الشرط منعدم هنا، فتركيا تُهددها التنظيمات الكردية واليونان، وباكستان تواجه تهديدات من الهند وأفغانستان، بينما ترى السعودية خطرها في إيران واليمن، وبالتالي لا يوجد قاسم مشترك يجمع هذه الدول في مواجهة عدو واحد. أما المستحيل الثاني فيتمثل في سابقة الفشل الباكستاني، إذ يأتي هذا الحلف بعد انهيار الدفاعات الأمريكية التي كانت تحمي السعودية في مواجهة الغضب الإيراني، والأكثر دلالة أن السعودية سبق أن وقعت اتفاقاً عسكرياً مماثلاً مع باكستان، إلا أنها تعرضت للضرب الإيراني واليمني دون أن تتحرك إسلام آباد، التي تلعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، مما يجعل تدخلها ضد إيران في هذه المرحلة مستحيلاً. والمستحيل الثالث يرتبط بالمصالح التركية الإيرانية، إذ تعلم تركيا أن جزءاً كبيراً من استقرارها الداخلي مرتبط باستقرار النظام الإيراني، الذي يردع الأكراد داخل إيران والعراق، بالإضافة إلى وجود نسبة معتبرة من الشيعة في تركيا ترتبط مرجعيتهم بولاية الفقيه في إيران، لذلك فإن الانخراط في صراع مع إيران قد يفتح على أنقرة أزمات لا تستطيع إيقافها على المدى القريب. أما المستحيل الرابع فيتجلى في إخفاقات التحالفات السابقة، إذ لم تكتفِ السعودية بهذا الحلف، بل سبق أن شكلت أربعة تحالفات لمواجهة أنصار الله في اليمن، بدءاً من “عاصفة الحزم”، مروراً بـ”التحالف الإسلامي”، و”تحالف البحر الأحمر”، وصولاً إلى هذا التحالف الأخير، وجميعها فشلت في تحقيق أهدافها، ولم تنل إلا من المدنيين الأبرياء، بينما ازدادت قوة الأنصار وحضورهم، والتفّت حولهم القبائل مع كل حرب، وها هم اليوم يخرجون من مواجهة مفتوحة مع أمريكا والكيان في ذروة قوتهم، محققين إنجازات نوعية. والمستحيل الخامس يتمثل في تباين طبيعة الأنظمة، فنحن أمام ثلاث دول: تركيا دولة ديمقراطية قومية لا يُتخذ فيها قرار الحرب إلا عبر المؤسسات المنتخبة، والسعودية مملكة إقطاعية يتركز قرارها في يد فرد من الأسرة الحاكمة، وباكستان دولة شبه ديمقراطية يحكمها العسكر وتتحكم استخباراتها برؤاها، والتي ترتبط بعلاقات معقدة وخاصة، وهذا التباين يجعل من المستحيل عملياً اتخاذ قرار عسكري موحد وممزوج بطبيعة هذه الأنظمة المختلفة. والمستحيل السادس يتعلق بالبوصلة الأمريكية والمستحيل الإسرائيلي، إذ ترتبط هذه الدول جميعاً في استراتيجياتها الإقليمية بالبوصلة الأمريكية، مما يستحيل معه توجيه هذا التحالف ضد الكيان الصهيوني، أو حتى التلويح بذلك، فتركيا على سبيل المثال لديها اتفاق دفاع مشترك مع قطر، ولم تردّ على الكيان حين تعرّضت الدوحة للضرب، بل ولم تهدد بذلك. بعد استبعاد هذه المستحيلات، تبرز الولايات المتحدة الأمريكية كعامل مشترك يجمع مصالح هذه الأطراف، وقد تعرّضت أمريكا لكسر عظيم في اليمن، حيث أخرجت حاملات طائراتها عن الخدمة، وأسقطت طائراتها الشبحية والحديثة، وأذلّت الكيان بحصار بحري، وضربت عمقه دون حسابات، وأخرجت ميناء “أم الرشراش” عن الخدمة، لذلك أصبحت واشنطن بحاجة ماسة لمن يشغل اليمن عنها في هذه المرحلة، وهذا هو الممكن الحقيقي لهذا التحالف: محاولة ردع اليمن أو شغله على الأقل، بعد أن عجزت السعودية عن فعل ذلك وحدها، وفشلت في حشد قبائل اليمن لصدام الأنصار، فتأتي هذه المحاولة الرابعة بعد أن فرضت اليمن على الجميع معادلة “الحصار بالحصار”. وأخيراً، فإن المستحيل الأكبر الذي قد تغفله هذه التحالفات هو أنها تحاكم اليمن وفق حسابات القوة التقليدية للدول، متجاهلة أننا اليوم أمام ثورة متكاملة الأركان قيادة وشعباً، تشكلت في ظل حصار بغيض وظالم تجاوز كل الحدود، ومع توفر الظروف المناسبة لكسر القيود، وشجاعة الرجال، فإن اليمن لن تتراجع خطوة إلى الخلف، مهما تعددت الأسماء والمحاور.
محمود سيد محمد
المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى