
يسألني صديق: لِمَ كلّ هذا الحزن الطافح من الوجوه؟ يسألني ويستفزني بأسئلته العميقة، أو ربما العقيمة، وأنا، في الحقيقة مستاء جدَّاً من هذا التصرف اللامعقول، فكلما تمعّنت في أجوبته رأيته يجرح في الجرح ذاته، آه، كم من آه ! لِمَ تسألني، والخراب يحيط بنا في كل لحظة وثانية وساعة؟ لِمَ تسألني وأنت تعلم أن في القلوب أسئلةً لا تنتهي، وأنك تستخرجها من أعماقها، كأن المقصود من أسئلتك هو انتقادي وانتقاد هؤلاء الذين يعيشون حولنا؟ تذكرني بعض النصوص الأدبية، حين نستخرج منها الشواذ والاستثناءات، بأنها تصبح أشبه بحجر الزاوية الذي يقوم عليه البناء كله، ولا يمكن اختصار الزمن في كل المواقف؛ فبعض اللحظات تحتاج إلى الأدب كي نفهمها، وعندما نصف بعض الحالات فإننا نقترب أحيانًا من النظريات الجمالية والكلية، إذ يصبح التقارب مع النص الأدبي بعيدًا عن ضغوط الواقع وعن الإيديولوجيات، سواء كانت تدعم النص أم تقف حجر عثرة في طريقه، ومع ذلك، تبقى النظريات كلها تدور في فلك واحد، تحاول أن تقنعنا أو تجيب عن تلك الأسئلة التي تبدو أحياناً عقيمة، ولا تصل بنا إلى شيء، مراتٍ ينتابني هذا الشعور، أو يباغتني عنوةً ودون مقدمات، أتذكر بعض الأسطوانات؛ بعضها سحرني حتى بلغ حد الإعجاب، وبعضها الآخر طربت له حين كنت غارقًا في أجواء رمادية وغابرة، ولا أنسى السيمفونية الخامسة لبيتهوفن؛ كانت بالنسبة إليّ أشبه بصورة عارمة تتمرَّد على القيود كلها، ولا أنسى معزوفات موزارت، التي كانت تأخذني من واقع ممتلئ بالجهل والخرافات إلى واقع آخر مختلف، تتغير فيه مفاصل الحياة وتتبدل فيه علاقتنا بالإنسان والعالم، ولا أنسى فيكتور هوغو عندما كتب رواياته وأعماله المسرحية، وتناول فيها قضايا الفقر والعدالة والطبقات الاجتماعية، وصوّر الإنسان وهو يصارع واقعًا قاسياً تتحكم فيه المصالح والجشع، وكان الحنين يأخذني إلى حياتنا القديمة، حين كانت حياتنا تسير بين زمنين: زمن الواقع الذي تربّينا فيه، وزمن آخر مختلف تبدلت فيه ملامح البشر وأصبح الجشع يبتعد بهم شيئاً فشيئاً عن كثير من القيم الأخلاقية، مراتٍ ينتابني الشعور حتى أفقد اللغة نفسها أمام هذه الأسئلة، وكلما أيقظتني الذاكرة، رأيت الحياة قد تبدَّلت، ورأيت الوجوه كأنها وجوه أناس فقدوا ذاكرتهم، أصرخ بيني وبين نفسي: كأن الحياة ذهبت ولم تعد، يتسلط عليّ الكلام، وأنا لا أملك حتى القدرة على الدفاع عن نفسي، أصرخ في وجه أخي الذي مات بالأمس، وفي وجه عمي وخالي؛ جميعهم يأتونني في المنام، وأنا أريد أن أتخلَّص من هذا الكابوس الذي جثم على قلبي قبل فكري ورأسي، لِمَ الحياة قصيرة؟ بالدم بدأت الحياة تكتسح إحساسي المنفلت، وبدأ الشارع نفسه ينزف من أسئلتي، كل شيء حولي صار سؤالاً مفتوحاً، وكل إجابة تبدو ناقصة، وكل طريق يقودني إلى سؤال آخر، وعندما أنتبه إلى صديقي الذي كان يرافقني دائمًا السيد محمد الحسني، أشعر بشيء من الطمأنينة، إنه رجل حقيقي بعيد عن كل الجوانب السلبية التي أثقلت حياتنا، أفرح دائمًا عندما أكون معه؛ في تلك الأمكنة الجميلة، في المقاهي والنوادي التي كانت تجمعنا في الحلوة والمُرّة، في الضحك والصمت، وفي الحديث ولحظات الشرود، الحياة محطات، ولكل محطة أبعادها الفكرية والإنسانية، نحن لا نعبرها كما هي؛ بل نترك فيها شيئًا منا وتأخذ منا شيئًا آخر، وربما لهذا السبب، كلما عدنا إليها في الذاكرة وجدناها مختلفة، ووجدنا أنفسنا قد تغيرنا أيضاً، وربما ليست المشكلة في أن الحياة تغيرت، بل في أننا مازلنا نبحث عن الحياة التي عرفناها ذات يوم، عن الوجوه التي أحببناها، وعن أولئك الذين رحلوا وبقيت أصواتهم في داخلنا.
لهذا، عندما يسألني صديقي: لِمَ كل هذا الحزن؟ لا أجد جواباً، أكتفي بالصمت، لأن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة، وبعض الأحزان لا يمكن شرحها بالكلمات.
بقلم: علاء العلاف