
واهٍ على غدرِ الأيام،
واهٍ على قلبٍ أحبَّ ما لم يُكتب له، وعينين ألفتا وجهًا لم يكن لهما أن تحتفظا به، وقربٍ كان بالأمس أمنيةً تُرجى، فأصبح اليوم مسافةً يستحيل اجتيازها.
كم مرةٍ ظننّا أن ما نريده هو الخير، فتمسّكنا به حتى أوجعنا التعلّق، وسعينا إليه كأن سعينا قادرٌ على تغيير ما كُتب، ثم جاءت إرادة الله لتضع بين أيدينا الحقيقة التي طالما هربنا منها: ليس كل ما نريده خيرًا لنا، وليس كل ما نحبه كُتب له أن يبقى.
وما أقسى أن يُبتلى القلب بما عشق؛ أن يغرس في صدره سكينًا بيده، ثم يبقى عاجزًا عن نزعها، لأن اليد التي غرستها كانت يد الأمل، والجرح كان ثمنًا لتعلّقٍ ظنناه يومًا نجاة.
وآهٍ من خيالٍ مضى عليه أعوام، ظلّ القلب يحييه كلما أطفأ الواقع أنواره، حتى إذا اصطدم الحلم بالحقيقة، لم يسقط الخيال وحده، بل سقطت معه أعوامٌ كاملة من الانتظار، وأمنياتٌ ظننا أنها ستأتي يومًا، وقلبٌ لم يتعلم كيف يودّع ما ظلّ يؤمن بعودته.
ولعل بعض الخيبات ليست نهايةً كما نظن، بل كشفٌ متأخر لحقيقةٍ أخفاها التعلّق عن أعيننا؛ لنعلم أن القلب حين يعلّق نجاته بمخلوق، قد يُترك ليتذوق مرارة الاعتماد عليه، حتى يعود إلى من بيده النجاة كلها.
فكم من بدايةٍ أفرحتنا لأنها وافقت أهواءنا، ثم كانت نهايتها درسًا قاسيًا؛ وكم من طريقٍ ظنناه قدرًا جميلًا، فإذا بنا نكتشف أنه كان ابتلاءً في ثوب أمنية.
فما بدأ بما لا يُرضي الله، لا يُؤمَن أن يُختَم بما يُرضي القلب؛ وما أُقيم على غير رضاه، قد يُسقطه الله من أعيننا ولو ظلّ القلب متشبثًا به ألف مرة.
ولذلك، ليس كل فراقٍ خسارة، ولا كل منعٍ حرمانًا، ولا كل انكسارٍ شرًّا؛ فقد يؤلمك الله من الشيء الذي أحببت، لا ليعاقبك فحسب، بل لينقذك من شيءٍ كنت تظنه نجاتك.
وفي النهاية، ندرك أن أشدّ ما أوجعنا لم يكن رحيلهم، بل اكتشافنا أننا منحناهم مكانًا في قلوبنا كان الأولى ألا يسكنه إلا من لا يرحل.