
خرجت أسير قبل أن تنشر شمس الصباح ضياءها الكامل، فاستوقفني مشهد رجل عجوز يجلس متكئا على عصاه، يمسك بها بقوة وكأنه يستند إلى ما تبقى له من العمر.
كان يهمس بكلمات خافتة، كأنه يحدثها أو يشكو لها ما عجز عن قوله للناس.
شدني المشهد، فاقتربت منه وسألته:
– يا شيخ، هل أستطيع مساعدتك؟ أراك مهموما.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
– يا بني، أنا أنتظر غيوم حياتي أن تمطر منذ أكثر من سبعين عاما.
أدهشني جوابه، فقلت:
– لا بد أن وراء هذه الكلمات حكاية عمر كاملة.
فقال:
– حكايتي طويلة يا ولدي، وأنت شاب ومازالت أمامك طرق كثيرة لتسير فيها اذهب واكمل طريقك.
قلت له:
– بعد ما سمعت منك، لم يعد بإمكاني الرحيل قبل أن أعرف شيئا من هذه الحكاية.
تنهد قليلا وقال:
منذ أول يوم خرجت فيه إلى هذه الحياة وأنا أعاني من جفاف أرضي، وموت زرعي، وذبول أشجاري، وجفاف أنهار عمري.
بحثت طويلا عن نبع يعيد للحياة شيئا من روحها، وعن أمل أعيش له أو من أجله.
صارعت الحياة مرارا، وانتظرت التغيير سنوات طويلة، لكنه لم يأت كما تمنيت.
وهنا سكت لحظة ثم أكمل:
نعم… حطمتني الحياة مرات كثيرة، لكنها لم تكسرني ، وهدمت أجزاء مني لكنها لم تهزمني.
فقد كنت كالجبال شامخا في بقائي، وحتى في انهياري كنت أخيف من حولي.
انتصرت على المحن أحيانا، وغلبتني أحيانا أخرى، لكنني لم أرفع راية الاستسلام يوما.
وهنا سألته:
– وأين الأهل والأصدقاء من كل هذا؟
ابتسم ابتسامة يختلط فيها الألم بالحكمة وقال:
كانت الحياة تحاربني بأسلحتها المختلفة، مرة بالموت الذي خطف أحبه كنت أعيش لهم ومن أجلهم، ومرة بابتعاد أشخاص ظننت أنهم سيكونون البلسم لجراحي.
رحل من رحل، وخان من خان، وفقدت من كان سندا وعضدا، وبقيت أنا وعصاي هذه نكمل الطريق.
ثم رفع رأسه نحو السماء وقال:
ومع ذلك لم أفقد الأمل، مازلت مؤمنا أن هذه الغيوم التي حجبت عني الدفء والنور لا بد أن تمطر يوما، فتزهر أرضي من جديد، وتمتلئ أنهار حياتي، وتثمر أشجاري التي طال انتظارها.
فقلت له:
ومتى يأتي هذا اليوم وأنت قد بلغت السبعين من العمر؟
فأجاب بثقة العارف:
يا ولدي، قيمة الانتصارات لا تقاس بسرعة تحقيقها، بل بصعوبة الطريق إليها.
ليس المهم متى أصل، بل أن أصل، وإن تحقق حلمي قبل موتي بيوم واحد، أو حتى بنصف يوم، فذلك يكفيني.
سيكون انتصاري الذي انتظرته عمرا كاملا، وسأرحل وأنا سعيد لأنني لم أتخل عن أملي حتى اللحظة الأخيرة.
وهنا أدركت أن بعض الناس لا يعيشون بما يملكون، بل بما يؤمنون به…
وأن الأمل الحقيقي ليس أن ترى المطر، بل أن تبقى منتظرا له مهما طال الجفاف.