رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب: من الناتو إلى «ناتو إسلامي»؟ الشرق الأوسط 2026 أمام ولادة نظام أمني جديد

ليس ما يجري في الشرق الأوسط مجرد سباق جديد على النفوذ، ولا مجرد إعادة توزيع للتحالفات بين دول اعتدنا رؤيتها تتحرك داخل الخرائط نفسها.
هناك شيء أكبر يتشكل.
قد لا تكون له تسمية نهائية بعد، وقد لا نرى صورته مكتملة، لكن كثرة القطع التي تتحرك في وقت واحد تجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها أحداثًا منفصلة…
اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، الحديث عن إمكان انضمام مصر، التحركات التركية الممتدة من سوريا والعراق إلى ليبيا والصومال والخليج، وفي المقابل تعميق التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص، وإعادة بناء شبكات الأمن في شرق المتوسط.
هذه ليست بالضرورة مقدمات لحرب.
لكنها، في تقديري، مقدمات لإعادة تعريف الأمن الإقليمي نفسه.
وهنا تكمن أهمية اللحظة.
فالشرق الأوسط الذي عرفناه طوال العقود الماضية قام على معادلة واضحة نسبيًا.. قوة أمريكية كبرى توفر المظلة الأمنية، وإسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا نوعيًا، ودول عربية تتحرك بدرجات مختلفة تحت هذه المظلة، بينما تبني إيران شبكاتها الخاصة للنفوذ والردع.
هذه الصيغة لم تختفِ بعد.
لكنها لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها.
والذي يحدث الآن هو أن بعض دول المنطقة بدأت تسأل السؤال الذي كان مؤجلًا طويلًا:
ماذا لو لم نعد نريد أن يكون أمننا مرهونًا بمصدر واحد للقوة؟
من هنا أفهم «اتفاق مكة».
أنا لا أحب التسرع في تسميته «ناتو إسلاميًا»، لأن الناتو ليس مجرد اتفاق دفاعي، وإنما منظومة مؤسسية وعسكرية متكاملة تراكمت عبر عقود.
لكن اتفاق مكة يحمل شيئًا أكثر أهمية من الاسم نفسه.
إنه يقدم فكرة الأمن متعدد المصادر.
السعودية لا تتخلى عن الولايات المتحدة، وتركيا لا تغادر الناتو، وباكستان لا تدخل في مواجهة مع الغرب؛ لكن الدول الثلاث تقول عمليا إن لديها مصلحة في بناء طبقة أمنية إضافية يمكن أن تتحول، إذا تطورت، إلى منظومة إقليمية أوسع.
وهنا يصبح حديث وزير الخارجية التركي عن تشابه الاتفاق من حيث المبدأ مع المادة الخامسة في الناتو ذا دلالة كبيرة.
فالمسألة ليست أن «ناتو إسلاميًا» ولد بالفعل.
المسألة أن فكرة الردع الجماعي بدأت تجد طريقها إلى الشرق الأوسط من خارج المظلة التقليدية.
وهذا تطور لا يمكن تجاهله.
لماذا السعودية وتركيا وباكستان؟
لأن تركيب الدول الثلاث ليس عشوائيًا.
السعودية تملك المال والموقع والثقل العربي والإسلامي.
تركيا تملك القوة العسكرية والصناعة الدفاعية والتكنولوجيا وشبكة الحركة الجغرافية التي تمتد من البحر الأسود إلى المتوسط والشرق الأوسط وأفريقيا.
وباكستان تملك قوة عسكرية كبيرة وخبرة عملياتية، والأهم أنها الدولة النووية الوحيدة بين أطراف هذا الترتيب.
ولا يعني ذلك وجود «مظلة نووية» باكستانية معلنة للسعودية أو تركيا؛ لا يوجد ما يثبت مثل هذا الالتزام.
لكن مجرد وجود قوة نووية داخل منظومة دفاعية إقليمية يغير حسابات الخصوم، لأن الردع لا يعمل فقط عندما تُستخدم القوة، وإنما يبدأ من احتمال وجودها.
ولهذا فإن اتفاق مكة، حتى في صورته الحالية، ليس اتفاقًا عاديًا.
إنه محاولة لجمع عناصر قوة مختلفة داخل شبكة واحدة.
وهنا تدخل تركيا إلى المشهد بطريقة مختلفة
تركيا لا تتصرف كدولة تبحث عن قاعدة عسكرية هنا أو اتفاق تجاري هناك.
أنقرة، في تقديري، تبني شيئًا أكثر تعقيدًا..
شبكة نفوذ.
وجود في سوريا.
حضور في العراق.
امتداد في ليبيا.
قاعدة وعلاقات أمنية في قطر.
وجود في الصومال.
حركة في البحر الأحمر.
صناعة دفاعية تتحول فيها المسيّرات والأسلحة إلى أدوات دبلوماسية.
وممرات اقتصادية تجعل الجغرافيا التركية عقدة في حركة التجارة والطاقة بين الخليج وأوروبا.
وهذا هو الفارق بين التوسع التقليدي والقوة الشبكية.
تركيا لا تحتاج إلى احتلال الأرض كي تكون موجودة فيها.
يكفي أن تصبح عقدة لا يمكن تجاوزها.
ولهذا فإن سؤال «تركيا إلى أين؟» ربما لم يعد السؤال الصحيح.
فالوجهة التركية واضحة إلى حد كبير
أن تصبح أنقرة مركزًا لا يمكن تجاوزه في أي إعادة تشكيل مقبلة للأمن الإقليمي.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع تركيا المحافظة على هذا الاتساع دون أن يتحول إلى عبء واستنزاف؟
وعلى الجانب الآخر تتحرك إسرائيل
إسرائيل لا تنظر إلى هذه الخريطة من موقع المتفرج.
وما يجري في شرق المتوسط مهم جدًا هنا.
التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص ليس مجرد تعاون عسكري أو طاقوي منفصل، بل يمكن قراءته باعتباره محاولة لبناء شبكة مقابلة في مساحة تتحرك فيها تركيا بقوة.
وهنا تصبح الجغرافيا مرة أخرى شديدة الأهمية.
تركيا تتحرك في شرق المتوسط.
إسرائيل تعزز شراكتها مع اليونان وقبرص.
السعودية تتحرك في البحر الأحمر.
تركيا موجودة في القرن الأفريقي.
ومصر تقع في منتصف هذه الدوائر كلها.
لذلك لا أعتقد أن ما نراه هو ببساطة
تركيا ضد إسرائيل.
المشهد أعقد من ذلك.
نحن أمام شبكات قوة تتشكل في مواجهة شبكات أخرى.
وهذا هو التغيير الحقيقي.
إسرائيل لا تحتاج إلى مواجهة تركيا مباشرة
إذا كانت إسرائيل ترى أن صعود شبكة أمنية جديدة قد يحد من هامش حركتها، فإن التعامل معها لن يكون بالضرورة عبر مواجهة عسكرية مباشرة.
يمكن أن يكون عبر السياسة.
والدبلوماسية.
والتحالفات.
والاقتصاد.
والتكنولوجيا.
والضغط الأمريكي.
وتوسيع الشراكات في شرق المتوسط.
والأهم: منع الشبكة الجديدة من التحول إلى منظومة أمنية متكاملة.
لأن الخطر بالنسبة إلى إسرائيل ليس اتفاق مكة في صورته الحالية.
الخطر هو ما يمكن أن يصبح عليه الاتفاق إذا توسع.
وهنا تظهر مصر.
مصر… الغائب الذي قد يغير كل شيء
ربما تكون مصر هي أهم قطعة لم تدخل الخريطة بعد.
لأن انضمام مصر إلى أي منظومة من هذا النوع لن يعني إضافة دولة جديدة فحسب.
سيعني إضافة:
البحر الأحمر.
وقناة السويس.
والبحر المتوسط.
والجيش المصري.
والعمق العربي.
والقدرة على وصل الخليج بالمشرق وشمال أفريقيا وأوروبا.
ولهذا فإن مصر ليست «عضوًا رابعًا» بالمعنى الحسابي.
مصر يمكن أن تغير طبيعة الشبكة نفسها.
وهذا يفسر، في رأيي، لماذا تبدو القاهرة حذرة.
فالدخول في التزام دفاعي جماعي ليس مجرد تحالف سياسي؛ إنه التزام قد يحد من حرية الحركة في بعض لحظات الحرب والسلم.
ومصر، بحكم موقعها وعلاقاتها الدولية، لا تستطيع اتخاذ قرار كهذا بخفة.
لكن هناك سؤالًا آخر أكثر إيلامًا:
هل تستطيع مصر أن تظل خارج إعادة تشكيل الأمن الإقليمي دون أن تدفع ثمن ذلك لاحقًا؟
هذه هي المسألة.
لأن امتلاك الجغرافيا لا يكفي.
إذا أعاد الآخرون بناء شبكاتهم حول جغرافيا مصر، فقد تتحول مصر من صانع للمعادلة إلى مساحة تتأثر بها.
وهنا يصبح البحر الأحمر أهم مما يبدو
البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر مائي.
إنه أصبح أحد أهم مسارح إعادة توزيع القوة.
السعودية على الضفة الشرقية.
مصر في الشمال.
اليمن في الجنوب.
تركيا حاضرة في القرن الأفريقي.
والقوى الدولية تراقب حركة التجارة والطاقة والممرات البحرية.
ومن البحر الأحمر نصل إلى قناة السويس.
ومن قناة السويس إلى المتوسط.
ومن المتوسط إلى تركيا واليونان وقبرص وإسرائيل.
أي أن ما يبدو في الخرائط كمساحات منفصلة هو في الحقيقة منظومة جغرافية واحدة.
ولهذا فإن أي نظام أمني جديد في الخليج لن يبقى خليجيًا إذا نجح.
سيصل إلى البحر الأحمر.
ومن البحر الأحمر إلى قناة السويس.
ومنها إلى المتوسط.
وهنا نفهم لماذا تصبح مصر عقدة مركزية في أي إعادة تشكيل مقبلة.
لكن لا ينبغي أن نخدع أنفسنا
ليس معنى ذلك أن الولايات المتحدة خرجت من الشرق الأوسط.
وليس معنى ذلك أن إسرائيل فقدت تفوقها.
وليس معنى ذلك أن إيران انهارت.
وليس معنى ذلك أن «ناتو إسلاميًا» أصبح حقيقة مكتملة.
كل هذه استنتاجات أكبر من الأدلة المتاحة.
ما نستطيع قوله هو شيء أكثر تحفظًا، لكنه في الوقت نفسه أكثر خطورة:
النظام القديم لم يعد كافيًا لتفسير كل ما يحدث، والنظام الجديد لم يكتمل بعد.
وهذه هي المنطقة الرمادية التي نعيشها الآن.
فالولايات المتحدة ما زالت قوة مركزية.
إسرائيل ما زالت قوة عسكرية رئيسية.
إيران ما زالت لاعبًا مهمًا.
تركيا تصعد.
السعودية تعيد تعريف موقعها.
وباكستان تدخل إلى معادلة أمنية جديدة.
ومصر تقف أمام قرار قد تكون له آثار تتجاوز الاتفاق نفسه.
إذن نحن لسنا أمام «محورين» بالمعنى القديم.
نحن أمام شبكات مصالح متقاطعة.
الدولة يمكن أن تكون حليفة لأمريكا ومختلفة معها.
قريبة من تركيا ومختلفة معها.
متعاونة مع إسرائيل ومنافسة لها في ملفات أخرى.
قريبة من روسيا وتختلف معها في ملفات ثالثة.
هذه ليست فوضى.
إنها صورة النظام الدولي الجديد وهو ينعكس على المنطقة.
لذلك لا أعتقد أن السؤال هو: من انتصر؟
السؤال الحقيقي هو:
من يعيد تعريف قواعد اللعبة؟
من يستطيع أن يجعل الآخرين يتحركون داخل الخريطة التي رسمها؟
تركيا تحاول.
إسرائيل تحاول.
السعودية تحاول.
إيران تحاول.
والولايات المتحدة تحاول الاحتفاظ بموقعها فوق الجميع.
أما مصر، فهنا تكمن المعضلة.
لأن مصر ليست دولة صغيرة حتى تُهمّش بسهولة، لكنها أيضًا لا تستطيع الاعتماد إلى الأبد على وزنها التاريخي.
القوة التاريخية لا تتحول تلقائيًا إلى نفوذ معاصر.
النفوذ يحتاج إلى استراتيجية.
والاستراتيجية تحتاج إلى رؤية.
والرؤية تحتاج إلى قدرة على تحويل عناصر القوة إلى أوراق فعل.
وهذا بالضبط ما يفعله الآخرون الآن.
الشرق الأوسط لم ينقلب بعد… لكنه يتحرك
لذلك أتحفظ على القول إن «نظامًا جديدًا وُلد» بالفعل.
الأدق أن نقول:
إننا نشهد عملية ولادة لنظام جديد.
وكل عمليات الولادة تحمل مخاطر.
قد ينجح اتفاق مكة ويتحول إلى منظومة أمنية حقيقية.
وقد يبقى إطارًا سياسيًا محدودًا.
قد تنضم مصر.
وقد تظل خارجه.
قد تتوسع الشبكة التركية.
وقد تصطدم بحدود قدرتها.
وقد تعزز إسرائيل شبكتها في المتوسط.
وقد تتدخل واشنطن لإعادة ضبط الجميع.
وقد تبحث إيران عن ترتيبات جديدة لمواجهة هذا التحول.
كل شيء لا يزال مفتوحًا.
لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا بالنسبة لي:
الشرق الأوسط لم يعد ينتظر أن ترسم له قوة واحدة خريطته الأمنية.
الدول بدأت ترسم خرائطها بنفسها.
وهنا تكمن خطورة اللحظة.
لأننا لا نعرف حتى الآن شكل النظام الذي سيولد، لكننا نعرف أن النظام الذي حكم المنطقة لعقود لم يعد قادرًا على احتواء كل المتغيرات الجديدة.
ولهذا فإن الإحساس بأن «هناك شيئًا وراء الأكمة» ليس بالضرورة وهمًا.
هناك فعلًا شيء يتكوّن.
لكننا لا نراه كاملًا.
نرى فقط أطرافه:
اتفاق هنا.
قاعدة هناك.
ممر تجاري في مكان ثالث.
تدريب عسكري في مكان رابع.
تحالف دفاعي في مكان خامس.
وتحرك مصري حذر في المنتصف.
هذه ليست قطعًا مبعثرة على رقعة الشطرنج.
إنها، ربما، بداية إعادة ترتيب الرقعة نفسها.
وهنا فقط يصبح السؤال جديرًا بأن يُطرح:
هل نحن أمام شرق أوسط جديد فعلًا، أم أمام آخر محاولة من النظام القديم لاستعادة السيطرة قبل أن يكتمل النظام الذي يولد من تحته؟
هذا هو السؤال الذي سيحدد السنوات القادمة. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى