تقارير وتحقيقات

نظريات موت لونا الشبل .. وأرشيف “سيدة القصر الحقيقية” في دمشق

كتب:هاني الكنيسي
ليست المرة الأولى -وربما ليست الأخيرة- التي أجدني منجذبًا للكتابة عنها، ليس فقط بسبب سيرتها الميلودرامية الأشبه بأفلام هوليوود، بل لأن اسمها وصورتها يعيدان إلى ذاكرتي لحظة “تقاطع” شخصية معها بالدوحة في صيف 2010، شهدت نقطة تحول “تاريخية” في مسيرتها الشائكة، من الاستوديو إلى دهاليز السياسة وصراعات السلطة التي لم تنجُ بحياتها من شظاياها.
تحت عنوان “لقد حفرت قبرها بيديها: هل كانت وفاة مساعدة الأسد حادث سيارة أم اغتيالاً؟”، نشرت صحيفة ‘الأوبزرفر’ The Observer البريطانية، تحقيقاً جديداً يحاول سبر لغز موت الإعلامية لونا الشبل، التي تحولت خلال سنوات من نجمة تلفزيونية إلى إحدى أكثر الشخصيات نفوذاً وشهرة داخل الدائرة الضيقة للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد قبل أن تعلن وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) يوم 2 يوليو 2024، نقلاً عن مكتب الرئيس، أنها تعرّضت لحادث سيارة أليم.
التحقيق الذي أعدته الصحافيتان الاستقصائيتان ‘كلوي هاجيماتيو’ و’سارة دعدوش’، استند إلى مقابلات مع شهود من قلب النظام السابق، وإلى أدلة طبية اطلعتا عليها، يخلص إلى أن ملابسات الوفاة لا تزال تثير شبهة قوية في أن ما وُصف رسمياً بأنه حادث سير ربما كان عملية قتل مدبرة.
“كنا ننتظر خبر اغتيالها”، هكذا تنقل ‘الأوبزرفر’ عن مصدر تصفه بأنه “قريب من دوائر النظام الداخلية”، في إشارة إلى الأشهر التي سبقت موت لونا الشبل، قبل أن يضيف العبارة التي اختارتها الصحيفة عنواناً لتحقيقها: “كانت تحفر قبرها بيديها”.
الرواية الرسمية أصرّت على أن المستشارة الإعلامية (والسياسية) للرئيس “فقدت السيطرة على عجلة القيادة”، وأن اصطدام سيارتها أدى إلى إصابات بالغة ونزيف دماغي انتهى بوفاتها في مستشفى الشامي بدمشق في 5 يوليو. وبعد ذلك لم يظهر أي تحقيق رسمي يخالف الرواية الحكومية.
لكن الصحيفة البريطانية تحدثت إلى “شاهد عيان” وصل إلى موقع الحادث بعد لحظات، وقال إن “السيارة بدت وكأنها تعرضت لاصطدام عنيف متعمد دفعها خارج الطريق”. كما قال إن “أفراد الحماية الشخصية تأخروا بسبب الازدحام”، مؤكدا أن إصابة رأسها بدت أقرب إلى “ضربة في مؤخرة الرأس” منها إلى إصابة ناجمة عن حادث سير.
لم تكتفِ ‘الأوبزرفر’ بتلك الشهادة، فاطلعت على “صورة أشعة دماغية” أُجريت للمصابة في مستشفى الشامي يوم الحادث، أظهرت وجود “إصابة رضّية قوية Blunt Force Trauma لا تبدو بالضرورة متسقة مع مؤشرات إصابة دماغية معتادة في حوادث السيارات”.
هذا الاستنتاج ليس بالطبع قائم على تشريح جنائي منشور ولا يوفّر دليلاً قاطعاً على صحة “نظرية الاغتيال”، لكنه يضيف وزناً إلى الشكوك في الرواية الرسمية.
وبالتوازي مع ذلك الخيط، قال شاهد آخر لصحيفة ‘لأوبزرفر’ إن موبايل لونا الشخصي “عُثر عليه لاحقاً في سلة مهملات، بينما اختفى هاتف عمل ثانٍ ولم يكن ضمن متعلقاتها في المستشفى”. كما ذكرت كاتبتا التحقيق أنهما شاهدتا “تسجيلاً مصوراً يظهر فيه سائقها وأفراد حمايتها وهم يخرجون من المستشفى مكبلين بالأصفاد، رفقة عناصر من الاستخبارات السورية”.
حتى جنازتها بدت غير متناسبة مع وزن شخصية مثلها ومختلفة عن بروتوكولات تأبين رموز النظام. فتقول ‘الأوبزرفر’ إن مراسم الدفن في “مقبرة الدحداح” كانت متواضعة للغاية، وكان لافتًا أن الإعلام السوري بث خبر الجنازة دون عرض مشاهد مصورة لها، ولم يُلف جثمانها بالعلم السوري على غرار المعتاد في جنازات كبار المسؤولين. كما تشير إلى أن منصور عزام وزير شؤون الرئاسة، حضر إلى المستشفى لكنه لم يرافق موكب الجنازة، فيما حضر عدد من المسؤولين المقربين من بشار وأسماء وماهر الأسد.
والحقيقة أنه منذ وفاة لونا الشبل، تواترت الروايات “الإعلامية” المتنافسة – بل والمتناقضة- في توصيف كواليس المشهد وفي تفسير أسباب “التخلص منها”. بعضها ربط مصيرها بإيران التي اشتبهت في أنها تعمل جاسوسة لمصلحة إسرائيل، وبعضها وجّه أصابع الاتهام للمخابرات الروسية، فيما تحدث معظمها عن “علاقة خاصة” مع بشار أوغرت صدر زوجته أسماء وأدت إلى صراع “شبه علني” داخل القصر الرئاسي، انتهى بانقلاب الرئيس نفسه عليها.
فقبل تحقيق ‘الأوبزرفر’ بأشهر، نشرت مجلة “المجلة ” السعودية في ديسمبر 2025 وثيقة تتضمن نص حوار دار بين الجنرال الإيراني ‘قاسم سليماني’ قائد “فيلق القدس” (الذي اغتاله ترمب في بغداد يناير 2020)، وعلي مملوك رئيس مكتب الأمن القومي السوري (وأحد أقوى رجال الاستخبارات في نظام الأسد)، عندما دخل سليماني مكتب مملوك -في أواخر عام 2019- لحظة مغادرة لونا الشبل- فتبادلا حديثًا عنها، انتهى بتعليق من المسؤول الإيراني: “هل من المعقول أن تتخلى مذيعة عن راتب في قناة الجزيرة يعادل 10 آلاف دولار مقابل 500 ألف ليرة سورية؟ إنها جاسوسة”.
ورغم تحذيرات سليماني، وشكوك العديد من المقربين للرئيس السوري السابق -وعلى رأسهم شقيقه ماهر الأسد- في ولائها، استمر نجم لونا في الصعود بسرعة مشهودة في سماء دمشق.
وُلدت لونا الشبل في دمشق في 1 سبتمبر 1974، لأسرة درزية من محافظة السويداء، وتربّت في كنف أمها المعلّمة التي كانت تعمل في حزب البعث السوري، ودرست الفرنسية في جامعة دمشق، ثم عملت في التلفزيون السوري قبل أن تنتقل إلى الجزيرة في أغسطس 2003 كمذيعة أخبار، ونالت شهرتها “العربية” الأوسع بتقديم برنامج “للنساء فقط”.
وفي أروقة القناة القطرية، تعرّفت لونا على زوجها الأول الإعلامي اللبناني (الدرزي) سامي كليب مقدم برنامج “زيارة خاصة”.
لكن في مايو 2010، تقدمت لونا مع أربع مذيعات أُخريات (أبرزهن جُمانة نمور وريما صالحة)باستقالة جماعية بحجة “الاعتراض على السياسة التحريرية والتوجيهات المباشرة والتضييق الشخصي (بشأن المظهر والملابس)”. لكن رواية ‘الأوبزرفر’ تزعم أن خروجها من الجزيرة ارتبط أيضاً بـ”عرض عمل أفضل” بعدما بدأت، وفق مصادر التحقيق، في التقاء بشار الأسد سراً. (بعد فترة وجيزة، استقال زوجها اللبناني أيضا من القناة بسبب”خلافات تحريرية”).
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، اتخذ الزوجان موقفاً علنيا داعماً لنظام الأسد، وانتقلا للإقامة بين بيروت ودمشق. وفي حين عمل سامي على تأسيس قناة “الميادين” في بيروت مع ‘غسان بن جدو’ (قبل أن يستقيل منها لاحقاً)، ظهرت لونا الشبل للمرة الأولى في “مكتب الأمن القومي” (الجهاز الذي يشرف على أجهزة الاستخبارات السورية).
لكن تفاقم ضغوط العمل وتباعد وجهات النظر السياسية بين الزوجين بمرور الوقت، انتهى بإعلان الطلاق دون ضجيج إعلامي.
ووفق تحقيق ‘الأوبزرفر’، لعبت لونا دوراً في توصيف المتظاهرين والمعارضين السوريين كإرهابيين وخونة، وتصوير الاحتجاجات الشعبية باعتبارها معركة ضد سوريا. وفي فبراير 2012، عُينت رئيسة للمكتب الإعلامي للرئيس السوري، لتصبح واحدة من أبرز مهندسي الرسالة السياسية والإعلامية الرسمية في القصر الرئاسي، ولتتحول تدريجيًا إلى أحد رموز النفوذ وصناعة القرار في دمشق.
وتنقل الصحيفة البريطانية عن “أميرة” Amira )اسم مستعار لشخصية عملت عن قرب مع لونا الشبل لسنوات في مكتب السيدة الأولى)، أن علي مملوك هو الذي قدمها إلى الأسد كإعلامية بارعة في صياغة “خطاب قومي مؤثر” حينما كان النظام بحاجة إلى ماكينة إعلامية قادرة على مواجهة الغضب الشعبي. وتلخص “أميرة” شخصية لونا في عبارة: “كانت فنانة في التعامل مع الإعلام”She was an artist with the media
وفي عام 2016، عززت لونا الشبل موقعها “السياسي والاجتماعي” بزواجها من رئيس الاتحاد الوطني لطلبة سوريا والمسؤول البعثي البارز ‘عمار ساعاتي’.
وبحسب رواية “المجلة”، أصبحت “وسيطة رسمية” في ملفات سياسية حساسة، فعقدت اجتماعات مطولة مع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، قبل مغادرته دمشق، كما أصبحت قريبة من الرئيس إلى درجة أثارت ريبة عديدين في القصر، وخصوصًا شقيقه ماهر الأسد قائد الفرقة الرابعة.
وعن خصوصية علاقتها ببشار، يقول الصحافي السوري إبراهيم حميدي لجريدة ‘الأوبزرفر’: “كانت بينهما علاقة جنسية حميمة؛ كانت صديقته”. ويضيف أنها كانت “تجلب النساء أيضًا إلى الأسد”.
وليس بعيدًا عن هذه الشهادة، قول “أميرة” إنها سمعت بدورها أن لونا الشبل “طُلب منها استقدام نساء للرئيس من طبقات متواضعة، مثل عاملات النظافة وما شابه”. هذه المزاعم، بحسب التحقيق، ساهمت في تعميق التوتر بينها وبين السيدة الأولى.
فيقول ‘عبدو الدباغ’ ابن عم أسماء الأسد، لصحافية ‘الأوبزرفر’: “تخيلي أن تعيشي مع زوجك وعشيقته في مكان واحد، ولا تستطيعين فعل أي شيء”.
لكن هذه السردية ينفيها نفياً قاطعًا دكتور فواز الأخرس، والد أسماء الأسد، الذي قال للجريدة البريطانية إن مزاعم خيانة بشار لابنته “مبنية على مقالات زائفة، لا أساس لها”، مؤكدًا أن “أسماء لم تكتشف في أي وقت خيانات من جانب بشار”.
وهنا تدخل رواية ‘ذا أتلانتيك’ The Atlantic على خط الجدل، عندما نشرت في فبراير 2026 تحقيقاً حصريًا عن الأيام الأخيرة لبشار، بعنوان “سقوط بيت الأسد”، استند فيه كاتبه Robert F. Worth ، إلى مسؤولين سابقين في النظام السوري ومصادر إسرائيلية، أكدوا أن لونا الشبل “كانت بالفعل عشيقة للأسد، وكانت تساعد في ترتيب لقاءاته المشبوهة بنساء أخريات”. لكن تحقيق المجلة الأمريكية ربط بين مصيرها الدامي وعلاقتها “الخلفية” مع موسكو و”معلومات كانت تصل إلى الروس”، في وقت احتدام الصراع داخل الدائرة الضيقة للأسد وازدياد التنافس بين قوى إقليمية.
وبحلول أوائل عام 2023، بدأ النفوذ الذي بنته لونا الشبل لأكثر من عقد يتآكل. فتقول ‘الأوبزرفر’ إنها أُبعدت تدريجياً عن مركز القرار، ثم أُزيل اسمها من اللجنة المركزية لحزب البعث وخُفضت صلاحياتها، بما بدا وكأنه “سقوط سياسي”. فتنقل عن أحد شهود تلك الفترة، قوله: “كان عليها أن تتقبل أنها لم تعد تملك القوة نفسها، وأن دورها يتضاءل. أعتقد أن طموح لونا لم يكن كان قادراً على استيعاب الوضع”.
وعن ذلك، تقول “أميرة”: “كان واضحًا أنها فقدت السيطرة على نفسها”. وبحسب روايتها، بدأت لونا تهدد أركاناً في النظام، مرددةً أنها “تعرف كل شيء ويمكن أن تفضح الجميع”، قائلةً في إحدى المرات بصوت مسموع: “أنا السيدة الأولى الحقيقية هنا”!!
وبالتزامن، اتخذت الشكوك الإيرانية في لونا الشبل منحىً أخطر. ففي الأشهر الأولى من 2024، تصاعدت الضربات الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية في سوريا، وقُتل أكثر من عشرة من عناصر الحرس الثوري، وصولاً إلى الضربة الإسرائيلية -في أول أبريل من العام ذاته- على ملحق القنصلية الإيرانية بدمشق، والتي قتلت سبعة ضباط، بينهم محمد رضا زاهدي، أحد أبرز القادة العسكريين الإيرانيين في سوريا.
وبعد أسابيع من تلك الواقعة، اعتُقل شقيق لونا، ملهم الشبل وزوجته في مطار دمشق، واتهمتهما الاستخبارات السورية بتسريب معلومات عن اجتماع حساس في القنصلية الإيرانية إلى إسرائيل. ملهم كان ضابطاً عمل ملحقاً عسكرياً سورياً في بيلاروسيا، ثم عاد إلى دمشق، وتقول “المجلة” إن شقيقته ساعدت في تعيينه ممثلاً للرئاسة في “مركز الدراسات والبحوث العلمية” SSRC، وهي المؤسسة السورية المرتبطة ببرامج حساسة تشمل الأسلحة الكيميائية.
وبحسب تحقيق ‘الأوبزرفر’، كانت لونا خلال فترة اعتقاله واختفائه في “حالة اضطراب نفسي”. فتنقل عن “خبيرة أظافر” كانت ترافقها أنها كانت تتوقع أن تنتهي الأمور على خير لأن “الأسد سيقلب الدنيا لإعادة شقيقي”. ثم تضيف الماكييرة: “لكن قبل أيام من موتها، بدت لونا غاضبة جدا ويائسة ومشتتة الذهن”.
ولم تتوقف الروايات “الصحفية” عند كواليس حياتها “السياسية”، إذ تطرق بعضها إلى “الثروة الضخمة” التي جمعتها لونا الشبل خلال بضع سنوات؛ بينها عقارات في دبي قُدرت قيمتها بنحو 8 ملايين دولار، واستثمارات خارجية لزوجها بالملايين، ومطعم روسي فاخر في دمشق. كما تداولت “تسريبات” عن ارتباطات مالية مع رجال أعمال مقربين من نظام الأسد، وعن معاملات “سرية” زادت من شكوك سكان القصر الرئاسي في نواياها.. وربما كانت خيطًا قويًا في نسج مؤامرة التخلص منها، حسبما يلمح تحقيق ‘الأوبزرفر’

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى