
كتب:هاني الكنيسي
‘راهيل براكاش’ Rahil Prakash هو الخريج الجامعي الحديث الذي فضح هشاشة المشهد السياسي والإعلامي الأمريكي، عندما أنشأ بمفرده موقعًا يبدو مهنيًا باسم “ميديان ستراتيجيز” Median Strategies ، ونشر من خلاله نتائج استطلاعات انتخابية “مختلقة” بالكامل في ‘كاليفورنيا’، و ‘ويسكونسن’، و ‘نيفادا’.
والنتيجة كانت صادمة؛ إذ روّجت ‘كارين باس’ Karen Bass عمدة لوس أنجلوس، شخصياً، لأرقام استطلاع زائف أظهر تقدمها بنحو 12 نقطة على منافستها ‘نيثيا رامان’ Nithya Raman، قبل جولة الإعادة المقررة في نوفمبر، فتسابقت وسائل إعلام محلية على نشر الأرقام باعتبارها حقيقية.
وفي ‘نيفادا’، تلقّف مجمع استطلاعات واسع المتابعة على منصة X نتائج أخرى مزيفة، نشرها مركز “ميديان ستراتيجيز” (الوهمي)، عن استطلاع زعم أن حاكم الولاية الجمهوري ‘جو لومباردو’ يتقدم بخمس نقاط قبل انتخابات نوفمبر.
بينما صدر استطلاع ثالث عن المركز ذاته، قبل الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لحاكم الولاية في ‘ويسكونسن’، زعم أن ‘فرانشيسكا هونغ’ تتقدم على منافسها ‘أليكسيس كراولي’ بأكثر من 20 نقطة مئوية. وكانت النتيجة الفعلية مختلفة؛ إذ خسرت ‘هونغ’ الانتخابات التمهيدية في 11 أغسطس.
ولم يتوقف الأمر عند حدود السياسة والإعلام؛ إذ تحركت أسعار بعض عقود الانتخابات على منصات “أسواق التنبؤ الرقمي” Prediction Markets، عقب نشر أحد تلك الاستطلاعات الوهمية.
وعندما بدأت صحيفة ‘لوس أنجلوس تايمز’ Los Angeles Times استقصاء الموضوع وطرح الأسئلة حول منهجية الاستطلاعات ومصادر عيناتها، أغلق ‘براكاش’ الموقع “الوهمي”، وقال إن ما فعله كان “تجربة اجتماعية قصيرة الأمد” لاختبار مدى سهولة تسلل معلومات انتخابية مزيفة إلى المنظومة الأمريكية.
أما ‘الغارديان’ فكان لها “السبق” في كشف أن الشاب البالغ من العمر 21 عامًا كان الشخص الوحيد -وبدون مموّل- وراء الموقع المجهول صاحب استطلاعات الرأي الكاذبة في الولايات الأمريكية الثلاث، في تحقيقها المنشور أمس الأول.
ونقلت عن ‘براكاش’ قوله “أردت أن أرى ما إذا كانت استطلاعات الرأي المزيفة يمكن أن تخترق المنظومة الأمريكية بهذه السهولة فعلًا. وقد اتضح أن ذلك ممكن جداً”.
والمفارقة -كما يذكر تحقيق الصحيفة البريطانية- أن الموقع الوهمي الذي لم يقدمه صاحبه باعتباره مزحة أو مشروعًا تجريبيًا، ظهر للجمهور -العادي والمتخصص- وكأنه مؤسسة بحثية مستقلة، تحمل اسمًا تقنيًا جادًا: “INDEPENDENT POLLING & RESEARCH”، واستخدم شعارًا لافتًا: “إعادة بناء استطلاعات الرأي” Polling, rebuilt، بل وتباهى بأنه لا يعتمد على “عملاء حزبيين، أو أموال حزبية، ولا أجندات حزبية” وأن أرقامه تذهب “حيثما تقود البيانات”.
والحقيقة أن “البيانات” كانت “مختلقة بالكامل”، ولم تُجمع من ناخبين أصلاً.
ويرى ‘براكاش’ -الأمريكي من أصل هندي- أن تجربته البدائية كشفت “عورة” في الجسد الأمريكي أخطر من أي خدعة انتخابية، فيقول ساخرًا: “إذا كان بإمكان شخص واحد أن يفعل هذا، فما الذي يمكن لعملية جادة أن تفعله مستقبلًا؛ عملية حقيقية تنفذها منظمة أو دولة أو جهة استخباراتية؟”.
وهنا تبرز العبرة من القصة. إذ لم يكن الهدف من التجربة تزوير استطلاعات الرأي المتعلقة بالانتخابات الأمريكية، بل اختبار “وعي” المجتمع والإعلام والسياسيين أنفسهم. وأثبت ابن الجيل زد أن الجميع صيد سهل لخداع تقنيات العصر.
وفي عصر تفوق أدوات الذكاء الاصطناعي في “صناعة” مواقع بسمات احترافية، وفي نشر أرقام وإحصائيات تبدو علمية ومقنعة، مدعمةً بصور يصعب كشف زيفها وبرسوم بيانية(الغرافيكس) بالغة التطور والجاذبية، تتعاظم المصيبة.
إذ تصبح المشكلة في سهولة “فبركة” المعلومات (وليس في ندرتها أو غيابها)، وإقناع قطاعات عريضة من الرأي العام بصدقيتها وبجدارة تداولها (فتنتشر على نطاق أوسع وبوتيرة أسرع)، عبر منصات السوشيال ميديا التي تحولت إلى ما يشبه “الفرن” الإلكتروني في “خبز” الأكاذيب الطازجة.