
مقدمة:
ما أجمل أن يلتقي صوتان مختلفان على وتر واحد، فلا يلغي أحدهما الآخر، بل يكمله.
هنا التقاء نادر بين شاعرة رقيقة تكتب بقلبها، و*شاعر حكيم يكتب بتجربته.
جود القوافي أبدعت بدعاً أنثوياً عذباً، عتابه ناعم، وصوره حالمة، وخاتمته عطرية من سُلاف العشق، فكانت قصيدتها “سلاف عشقي” وجعاً جميلاً ووفاءً رغم الهجر.
وجاء محسن العمري أبو نشمي فلم يجارِ الوزن فقط، بل جارى الروح، ورفع الحوار من شكوى العاشق إلى حكمة الشيخ. رد على سؤال القلب بسؤال العقل، وعلى ألم الهجر بشرح قدر الحب منذ الصبا، حتى ختمها موعظةً خالدة عن غرور التقوى وضلال العلم.
بدعٌ يفيض عاطفةً، ومجاراةٌ تفيض حكمةً.. وهذا هو جمال الحوار الشعري الحقيقي.
أولاً: البدع – “سلاف عشقي”
بقلم الشاعرة: جود القوافي
عَجَباً لِقَلْبِكَ مَا الَّذِي أَشْقَاهُ
وَالحُزْنُ مِنْ بَعْدِ السُّرُورِ كَسَاهُ
قَدْ كُنْتَ مِثْلَ الطَّيْرِ تَبْدُو صَادِحاً
فَلِمَ اخْتَفَى التَّغْرِيدُ؟ مَنْ أَخْفَاهُ؟
قُلْ لِي بِرَبِّكَ مَا الَّذِي يَجْرِي هُنَا
فَالحُزْنُ بَعْثَرَ فِي الفُؤَادِ أَسَاهُ
وَحَسِبْتُ أَنَّكَ لِلمَشَاعِرِ مُدْرِكٌ
فَإِذَا الشُّعُورُ تَمَزَّقَتْ أَشْلَاؤُهُ
لَا شَيْءَ يُبْقِي فِي الوِدَادِ أَرِيجَهُ
إِلَّا إِذَا حَفِظَ الفُؤَادُ وَفَاهُ
وَالهَجْرُ أَضْحَى مِنْ لَدُنْكَ هَدِيَّةً
أَتَظُنُّ هَذَا الهَجْرَ لَنْ أَنْسَاهُ؟
يَا مَنْ هَجَرْتَ القَلْبَ دُونَ هَوَادَةٍ
أَوَ مَا رَأَيْتَ العِشْقَ أَيْنَ مَدَاهُ؟
اخْتَرْتُ أَنْ أَبْقَى بِنَبْضَةِ خَافِقٍ
لَا شَيْءَ فِي دُنْيَا الغَرَامِ سِوَاهُ
فَسُلَافُ عِشْقِي فِي الفُؤَادِ دَبِيبُهَا
سَتَعِيشُ دَهْراً عَاطِراً بِشَذَاهُ
ثانياً: المجاراة.. بقلم الشاعر: محسن العمري أبو نشمي
عَجَباً لِمَنْ يَسْأَلُ جُثَثَ قَتْلَاهُ
أَوْ يَسْأَلُ الجُرْحَ الَّذِي أَدْمَاهُ
لَا سَامَحَ اللهُ الَّذِي أَوْقَعَ بِنَا
مُنْذُ الصِّبَا فِي حُبِّهِ وَهَوَاهُ
حَتَّى كَبِرْنَا مَا عَرَفْنَا غَيْرَهُ
في كُلِّ دُنْيَانَا حَبِيبًا سِوَاهُ
أَسَرَ الحَوَاسَّ جَمِيعَهَا بِنَظْرَةٍ
فَحَوَاسُّنَا قَسْرًا تَسِيرُ وَرَاءَهُ
دَاءُ الحَوَاسِّ بِعَيْنِهِ وَدَوَاؤُهَا
فَهُوَ الطَّبِيبُ وَكُلُّنَا مَرْضَاهُ
فَلَا عِلَّةٌ إِلَّا لَدَيْهِ دَوَاؤُهَا
وَلَا سُقْمَ إِلَّا فِي يَدَيْهِ شِفَاهُ
اللهُ شَاهِدٌ بَيْنَنَا وَعِنْدَهُ
أَسْرَارُنَا هَلْ تُؤْمِنُونَ بِلُقَاهُ
وَالحُبُّ أَغْلَى نِعْمَةٍ فِي عُمْرِنَا
وَيْلٌ لِمَنْ شَيْطَانُهُ أَغْوَاهُ
مَا نِعْمَةٌ إِلَّا وَيَلْتَفُّ حَوْلَهَا
شَيْطَانُهَا يَسْقِي بِهَا بَلْوَاهُ
أَبْوَابُ إِبْلِيسَ لِلْقُلُوبِ كَثِيرَةٌ
قَدْ يُفْسِدُ القَلْبَ غُرُورُ تَقْوَاهُ
فَيُضِلُّهُ ضَلُّ الغُرُورِ فِي دِينِهِ
تَقْوَاهُ ظَاهِرٌ وَالمُطَاعُ هَوَاهُ
مَنْ ذَا الَّذِي يَعْلَمُ يَقِينَ مَصِيرِهِ
أَفِي النَّعِيمِ أَوِ الجَحِيمِ مَأْوَاهُ
مَنْ ضَلَّ بِالعِلْمِ فَلَا يُرْجَى لَهُ
فِي هَذِهِ الدُّنْيَا دَوَاءٌ لِعَمَاهُ