
خرجت من الغرفة في الصباح وتركت القهوة فوق طاولة الكتابة أبحث عن سكر في المطبخ، وكان الطقس هادئاً في هذه الساعة،
وحين عدت، وقد نسيت السكر، بل نسيت سبب خروجي للبحث لأن الخيال في مكان آخر، إلى الطاولة وجدتها تحدق بي خارج النافذة، مزمجرة، هادرة،كحكاية أسطورية للأطفال:
يا لشعرها الطويل الأبيض الذي يغطي الخليج الساكن الرصاصي في هذه اللحظة مثل جزيرة من البلّور.
هذا هو شكل العاصفة الثلجية ذلك الصباح المثير والصريح والمختلف عن أي صباح مضى، وصباح قادم.
“صباح جديد، يا للفرح”
هتف الشاعر الفرنسي ايلوار يصرخ كطفل عثر على لقية محتفلا بنهار جديد: نهار جديد طلع. شاعر قصيدة” الحرية” القصيدة الوحيدة في التاريخ التي أنزلت بالمظلات فوق المقاومة الفرنسية وهي في الأصل قصيدة حب الى زوجته دومنيك ايلوار واسمها قبل الزواج أوديت ليمورت وهي كاتبة فرنسية عاشت معه حتى اللحظات الأخيرة بعد خيباته العاطفية، ثم غير العنوان الى قصيدة الحرية وما الفارق؟ الحرية والعدالة والديمقراطية لا يؤسسها الأجلاف وأصحاب القلوب الغليظة المليئة بالغل والكراهية بل العشاق ومن لا يعرفون الحقد.
قال تولستوي:” الخطأ الفادح الذي ارتكبه الثوار الذين اقتحموا سجن الباستيل ــــــــــــــ في الثورة الفرنسية 1789ــــــــــ انهم يفتقرون الى الحب” لذلك أقاموا المجازر.
كما لو كنت في حال طلب مساعدة، أنزلت كتاب( المنشق) لأيليني كازنتزاكي زوجة الروائي كازنتزاكي، وشرعت أقرأ بصوت عال وأنا أتحدث مع ذات الشعر الأبيض الطويل العاصف خلف النافذة والتي تجتاح الخليج الرصاصي:
(في الحديقة الفاتنة، اغترابنا، المحادثات، الضحك، الصمت المطر” ـــ مقطع من رسالة لنيكوس كازنتزاكي.
حين تأملت العاصفة الثلجية وجدتها أشد قوة من قبل فواصلت القراءة كأني أريد ترويض الطبيعة بهذا الصوت الأعزل والمختنق مثل بحار يرفع حبال القلوس “حبال السفينة” في رحلته الأخيرة :
” إلى أين نحن ذاهبان؟ لقد وضعنا دفة المركب نحو الهاوية” ـــ مقطع من رسالة. اين يمكن ان يضع هذا الصقر الاغريقي المركب اذا لم يكن نحو الهاوية؟
أتأمل النافذة وأنظر إلى ذات الشعر الأبيض الطويل تكسو الخليج بالثلج المتطاير، يختفي كل شيء، الجبال، والزمن، ولا أسمع غير هتاف الأبدية:
” أتلهف إلى الارتماء في أحضان الصمت من جديد، إنه ينبوع الإبداع الصارم”.
تضيف زوجة الروائي اليني او هيلين: ( إن الذين كانوا يتقيأون ” المنشق” ـــــــــــــــــ عنوان كتابها السيروي عنه ــــــــــــــــ الرجل الذي لم يجار عصره، هم أنفسهم الذين كانوا لا يقرأونه).
قال لها يوما: ” ” عندما أموت، إكتبي كتاباً عني”
“لا،لا، لا، لابد من كاتب موهوب”
” سوف تضعين عني كتاباً يا لينوتشكا ـــ للتدليل ـــ لأن الآخرين سوف يقولون
عني أشياء كثيرة غير دقيقة ، أنت الوحيدة التي تعرفينني جيداً”.
وهذا ما حدث بسبب روايته”الاغواء الاخير للمسيح” وتحريم الكنيسة البابوية الرواية وتحريم القداس الجنائزي عند وفاة كازنتزاكي وحرق دور السينما التي عرضت الفيلم رغم انه يعتبر المسيح رمزا للتضحية لكنه تعرض للجانب البشري فيه بناء على وثائق تاريخية.
لماذا سيقولون عنه اشياء كثيرة سيئة وهو اخر احفاد هوميروس رغم اصله المتواضع لكنه لو مشى فوق كل حبة رمل، لطهرها.
قال عنه البير كامو بعد فوزه بنوبل بفارق صوت واحد عن كازنتزاكي:
” كازنتزاكي أحق بالجائزة مني وأكثر أخلاقية”؟
لأنه كان يجر الجميع، بلا دبوس ولا سلاح، بالكلمة فقط، نحو الهاوية التي يرون فيها أنفسهم في الجحيم الأرضي ويصرخون دهشة: لسنا هكذا.
يقولون حسب ايليني:
” أنت صانع دجال ومنحرف. لقد شوهتنا. ماذا يفعل كازنتزاكي بنا؟”.
برد فنجان القهوة والعاصفة هدأت، العاصفة الداخلية، أما في الخارج فلا تزال العاصفة ذات الشعر الأبيض الطويل تكتسح الخليج الذي صار لونه هذه اللحظة مثل صخور مرجانية تلمع في جزيرة ساحرة تحت المطر.
أواصل القراءة إذن:
( تتهيأ لي الأيام قصيرة.. لم أعش سنيناً قصيرة كهذه. الشعلة تحترق في داخلي أكثر فأكثر).* رسالة نيكوس.
تضيف في صفحات مفعمة بحزن إنساني نظيف وشجن نقي في كتابها” المنشق: سيرة مشتركة” عن لحظاته الاخيرة في المستشفى وايليني اصغر منه بثلاثين سنة حين رفع يديه إلى عينيه وقد بدأ يدخل في الغيبوبة بين أحضانها :
( كان يحاول التأكد من تلاشي بصره).
ثم سكن فجاة وصرخت أيليني:
“نيكوس … نيكوس… هل تسمعني يا حبيبي؟” مكث ساكتا، لكن قلبه الطفل، الأطباء قالوا انه يمتلك قلب طفل، ظل يخفق وتسارع نفسه أكثر وازداد قصرا. امسكت بيده اليسرى، الحريرية، التي لم تعرق، ووضعتها على راسي.
باركني يا حبيبي… اجعلني اسلك الدرب الذي رسمته… لم يعد لنيكوس أي وجود وتملكتني رغبة في فتح الأبواب والنوافذ صائحة مولولة:
” يا قمر، يا نجوم، يا أشجار، أيها الليل الدامس، هذا الذي أحبكم كثيرا، لم يعد له وجود”.
وتضيف:
” واقفا، تماما كما عاش، اسلم الروح، مثل الملك الذي أخذ نصيبه من الوليمة، ثم وقف فجأة، فتح الباب من دون أن يلتفت، واجتاز العتبة”.
توقف قلب كازنتزاكي، لكن رقصة زوريا اليوناني، وروايته، تعانق الأبدية. الرقصة مستمرة في ساحات وشوارع العالم. عرض أقل