تقارير وتحقيقات

عن عملية “صائد الجواسيس” الإسرائيلية في غزة

كتب:هاني الكنيسي
شاحنة خضار، دراجة نارية، ميليشيا فلسطينية “عميلة”، اشتباك في قلب غزة، ثم أكثر من 12 غارة جوية إسرائيلية لإخراج “القوة الخاصة”، الحصيلة تدمير مركبتين وأربعة قتلى فلسطينيين على الأقل، بينهم ثلاثة أطفال- بحسب آخر تحديث من وكالة ‘رويترز’… إسرائيل تقول: نجحنا في خطف “صيد ثمين”، وغزة تقول: القوة انكشفت واضطرت إلى الفرار تحت غطاء جوي.
التقارير ما زالت متضاربة حول العملية “الأمنية” التي وقعت في غزة اليوم، والتي أصدرت حركة حماس بيانًا يصفها بأنها “جريمة خطيرة وامتداد لحرب الإبادة ولجرائم الاحتلال رغم اتفاق وقف إطلاق النار”، ودعت واشنطن والوسطاء إلى التدخل.
فماذا حدث فعلا في حدود المتاح من معلومات؟
بدأت الأحداث في منطقة “الكتيبة” غرب مدينة غزة، عندما رصد سكان المنطقة تحركًا غير اعتيادي لقوة مسلحة وصلت، بحسب شهادات نقلتها وسائل إعلام عربية وفلسطينية، “متنكرة داخل شاحنة محملة بالخضروات وبرفقة دراجة نارية”، في محاولة للاندماج في حركة المدنيين والاقتراب من هدف أمني تابع لحماس.
وبحسب الشهود الذين نقلت عنهم تقارير صحفية، تحرك أفراد القوة في المنطقة المكتظة بالنازحين، واقتربوا من أحد المقاهي وأطلقوا النار على شخصين، قبل أن ينكشف أمرهم وتندلع مواجهة مسلحة. وبالتزامن، اقتحمت قوة خاصة تابعة للجيش الإسرائيلي منطقة المستشفى الأمريكي في منطقة “القتابة” غرب القطاع.
بعدها انكشفت “العملية السرية”، وتحولت المنطقة إلى ساحة اشتباك، وحلقت الطائرات الإسرائيلية على ارتفاع منخفض، وبدأت سلسلة غارات مكثفة على المنطقة.
الرواية الفلسطينية تقول إن قوة خاصة إسرائيلية، أو ميليشيا فلسطينية تعمل لحساب إسرائيل، حاولت الوصول إلى العقيد ‘معين محمد العرابيد’، المسؤول في جهاز الأمن الداخلي بغزة، وإن العملية انكشفت قبل إتمامها، فاضطر سلاح الجو الإسرائيلي إلى التدخل لتأمين انسحاب القوة.
وقد أفادت مواقع إخبارية متعددة أن العملية استمرت نحو ساعة، وأسفرت عن مقتل عدد من المدنيين الفلسطينيين، وأن من بين القتلى “أم محمد”، زوجة معين العرابيد نفسه، والطفل عبد الله أحمد حمودة.
أما الرواية الإسرائيلية، فانطلقت من تصريحات وزير الدفاع ‘يسرائيل كاتس’ الذي أعلن من مستوطنة ‘نتيف هعسرا’ التي كان يزورها وقت تناقل أخبار العملية، أن القوات الإسرائيلية “اعتقلت قياديًا بارزًا في حماس” خلال عملية خاصة في غزة، قبل أن يكشف الإعلام العبري أن الأسير هو معين العرابيد، الذي وُصف بأنه “رئيس الأمن الداخلي في حماس، ونظير الجنرال ‘ديفيد زيني’ رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) الإسرائيلي”.
وقد اتفقت المصادر الإسرائيلية على أن العرابيد “أُخرج من غزة حيًا، رغم إصابته بجراح متوسطة”، وأنه “نُقل للعلاج في أحد المستشفيات قبل استجوابه”.
أما موقع JFeed العبري، فتحدث عن “عملية مشتركة” بين الجيش الإسرائيلي وميليشيا فلسطينية متعاونة، ونقل عن مصدر أمني أن “العملية كادت أن تنحرف عن مسارها”.
لكن تقارير لاحقة تحدثت عن العثور في موقع العملية على “أسلحة ومعدات ميدانية وفوارغ رصاص” تشير إلى مشاركة جنود إسرائيليين ضمن القوة، لا مجرد عناصر من ميليشيا فلسطينية عميلة.
ومع ذلك، تبقى “هوية” القوة التي دخلت أولًا إلى المنطقة غير محسومة بشكل مستقل حتى الآن.
أما ما تتفق عليه الروايتان الفلسطينية والإسرائيلية فهو أن “قوة مسلحة” تسللت إلى غرب مدينة غزة في عملية أمنية سرية، وأن الهدف كان مسؤولًا أمنيًا بارزًا في حماس، وأن اشتباكًا وقع، وأن سلاح الجو الإسرائيلي شن غارات مكثفة بالتزامن مع العملية أسفر عن سقوط قتلى وجرحى فلسطينيين، بينما لم يتأكد وقوع أي إصابات في صفوف القوات الإسرائيلية .. والأهم، أن معين العرابيد أصبح في قبضة إسرائيل (رغم نفي مصادر فلسطينية لقناة الجزيرة)، وهو من وجهة نظر تل آبيب: “صيد معلوماتي ثمين يتجاوز مكاسب عمليات اغتيال قادة حماس”.
وبرغم شح المعلومات المتوفرة عنه في المصادر الموثوقة، فقد ظهرت صورة قديمة للعرابيد -نشرتها صحف لبنانية- أثناء اجتماع شارك فيه قبل نحو 11 عامًا مع وفد من هيئة التوجيه السياسي والمعنوي في محافظة غزة.
وفي الأرشيف الخاص بهيئة التوجيه والإصلاح في غزة، يظهر اسم “المقدم” معين العرابيد، بوصفه “مدير الأمن الداخلي في محافظة غزة”، في وثيقة تشير إلي أنه كان يتعامل بصفته الرسمية مع وفد من جهة حكومية/رقابية، وأنه تعهد بتسهيل عمل الهيئة والتنسيق معها ضمن نطاق اختصاصه.
وأهمية هذه الوثيقة اليتيمة أنها تعني أن معين العرابيد لم يصعد إلى موقعه الأمني بعد 7 أكتوبر 2023، كما قد يوحي غياب اسمه عن الإعلام. وتنقل بعض المواقع الإخبارية عن مصادر فلسطينية وإسرائيلية، أن الرجل -الذي لا يُعرف عمره أو مسقط رأسه- كان يتعمد تقليل تحركاته العلنية، وأنه اختفى تقريبًا عن الأعين منذ بداية حرب الإبادة على غزة.
بينما يذكر موقع إماراتي أن الجيش الإسرائيلي سبق أن قصف منزل العرابيد في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة خلال الأشهر الأولى من الحرب ما يعني أ-إن صحت المعلومة- أن إسرائيل وضعته على قائمة أهدافها قبل عملية اليوم بوقت طويل.
وبالطبع، فإن هذه ليست العملية الأولى من نوعها التي تنفذها إسرائيل منذ توقف الحرب على غزة “نظريا”، لأنها قامت بأربع عمليات “خاصة” مشابهة، كان أبرزها في 30 مارس الماضي، عندما اختطفت قوة إسرائيلية محمد بركة القائد الميداني في كتائب القسام من داخل مدينة غزة، وتلاها عملية اختطاف لمسؤولين أمنيين آخرين من منطقة المواصي جنوب القطاع، بحسب مصادر صحفية عربية وإسرائيلية.
لكن المؤكد أن عملية خطف العقيد معين العرابيد -وبغض النظر عن درامية تفاصيلها- ستكون لها قيمة “استخباراتية ومعنوية” أكبر مما سبقها، كونه المسؤول في جهاز الأمن الداخلي عن ملاحقة العملاء وصيد الجواسيس وكشف الاختراقات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى