“الخطوط الحمراء” بين مسارح ‘ويست إند’ واستوديوهات ‘بي بي سي’: كيف فضحت لندن ازدواجية الغرب تجاه “إبادة غزة”

كتب:هاني الكنيسي
في غضون ساعات، كشف حدثان منفصلان في العاصمة البريطانية عن الحدود الحقيقية التي يسمح بها الغرب لحرية التعبير عن الرأي أو الموقف، عندما يتعلق الأمر بالذات “الساميّة” أو بجرائم “الإبادة” في غزة.
الحدث الأول مسرحي بامتياز: انسحاب الممثل الأيرلندي ‘جيرارد مكارثي’ Gerard McCarthy (المعروف بأدواره الرئيسية في مسلسلات تلفزيونية مثل Hollyoaks، و The Fall، و Call the Midwife) من مسرحية “قبل أن أرحل مباشرة ” Right Before I Go، التي تُعرض على مسرح ‘سوهو’ الشهير، احتجاجًا على انضمام الممثلة اليهودية المخضرمة (80 عامًا)، الحاصلة على لقب “ليدي” والمعروفة بتأييدها العلني لإسرائيل ‘مورين ليبمان’ Dame Maureen Lipman ، لطاقم العمل.
وكتب ‘مكارثي’ في بيانه على منصة ‘إنستغرام’ فور الإعلان عن مشاركة ‘ليبمان’ في المسرحية “بسبب الآراء التي عبّرت عنها الليدي علنًا ومرارًا بشأن إسرائيل وفلسطين، لم أشعر بالارتياح لأن أرحب شخصيًا بمشاركتها .. أحيانًا يكون عليك الابتعاد عن شيء ما حين يعني البقاء فيه المساس بقيم أهم بكثير”.
وبرغم أن الممثل البريطاني حرص على تأكيد أنه لم يطلب إعادة النظر في اختيار ‘ليبمان’، وأنه لا يتوقع من أي شخص آخر أن يتبنى موقفه، فقد كان لافتًا أن عددًا من زملاء الوسط الفني -أبرزهم الممثلان ‘دان باكلي’ Dan Buckley، و’ريفر ميدواي’ River Medway، عن تضامنهم مع موقفه. بينما انتقد آخرون – من بينهم منظمات المجتمع اليهودي ومعلقون بارزون – القرار بشدة، متسائلين عبر منصة New English Review عن “أرملة ثمانينية تضطر لتوظيف حارس شخصي في إنجلترا لأن لديها رأيًا لا يتفق معه الجميع”.
والمعروف أن الليدي ‘مورين ليبمان’ وصفت في وقت سابق زملاءها الفنانين الذين وقّعوا رسائل مفتوحة تدين الحرب الإسرائيلية على غزة بأنهم “متعصبين” bigoted ، كما صرّحت لصحيفة ‘التلغراف’ بأن على الفنانين الأوروبيين أن يشعروا بـ”العار” لتعبيرهم عن دعمهم للفلسطينيين.
أما الحدث الثاني فإعلامي “مؤسسي”: إقرار هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” BBC رسميًا بأن مذيعتها اللامعة ‘كاتي كاي’ Katty Kay “خرقت قواعد الحياد المعمول بها في المؤسسة”، لأنها استعملت لفظ “إبادة جماعية” genocide في وصف ما يجري في غزة ، أثناء مقابلة مصوّرة!!
وهي القصة التي أبرزتها صحيفة ‘التلغراف’ في تقرير لمحررها ‘غوردون رينر’ الذي حاول سبر أغوار “الخطوط الحمراء” في الإعلام البريطاني (الرسمي).
إذ أقرت “وحدة الشكاوى التحريرية” في البي بي سيBBC Editorial Complaints Unit بأن استخدام مذيعة الأخبار ‘كاي’ لمصطلح “إبادة جماعية”، خلال مشاركتها في حلقة من بودكاست “بقية السياسة: الولايات المتحدة”The Rest Is Politics US الذي تنتجه شركة Goalhanger Podcasts، المملوكة لنجم كرة القدم السابق والمذيع الرياضي ‘غاري لينيكر،’ جاء بصيغة “التقرير الجازم دون إسناده إلى سياقه القانوني والسياسي القائم”، وهو -وفقا لقرار اللجنة- ما يخالف مبادئ “الدليل التحريري” الذي يحظر على صحافيي المؤسسة تبني مصطلحات قانونية محل خلاف دولي.
وفي مسوغات حكمها على المذيعة، اعتبرت هيئة الإذاعة البريطانية أنه كان على ‘كاي’ أن تستعمل بدلًا من ذلك الوصف الصريح لفظ “اتهامات”، أو تشير إليه في سياق “الدعوى المرفوعة من جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية”، وليس كـ”حقيقة قاطعة”.
والمفارقة هنا صارخة؛ لأن قضية جنوب أفريقيا أمام العدل الدولية تتجاوز “الاتهامات” -كما توحي صياغة البي بي سي- بعدما رفضت المحكمة نفسها في يناير 2024 اعتراض إسرائيل، وأصدرت “تدابير ملزمة” لحماية الفلسطينيين من “ضرر لا يمكن تداركه” فيما يخص حقهم في “الحماية من الإبادة الجماعية”.
وقد وثّق الباحثون أكثر من 100 مناسبة قاطع فيها مذيعو BBCضيوفهم مباشرة على الهواء كلما استخدموا كلمة “إبادة جماعية” في سياق التعليق على ما يجري في غزة، رغم أن المحكمة الدولية ذاتها لم ترفض الدعوى القائمة على هذا الوصف. ونقلت وسائل الإعلام عن ‘كاريشما باتيل’ Karishma Patelالمذيعة السابقة في ‘بي بي سي’، قولها إن مقدمي البرامج والنشرات كانوا “يتوترون ويتلعثمون على الشاشة” حين يستخدم الضيوف ذلك المصطلح.
وكان ذلك بالتحديد سببًا أساسيًا في انتقاد العديد من الجهات لتغطيات بي بي سي لحرب غزة، لأنها أولا تعمدت “حذف السياق القانوني” لاستعمال مصطلح “إبادة”، وثانيًا حظرته تماما رغم أنه يتطابق مع ما خلصت إليه تقارير منظمات حقوقية مثل ‘منظمة العفو الدولية’ Amnesty وتقارير لجنة التحقيق الأممية (برئاسة المقررة الأممية ‘فرانشيسكا ألبانيز’) بأن “إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة”، وهي النتيجة ذاتها التي انتهى إليها عشرات الخبراء الأكاديميين المتخصصين في دراسات الإبادة الجماعية والهولوكوست، مثل البروفيسور ‘عويمر بارتوف’ Omer Bartov الأستاذ في جامعة ‘براون’ الأمريكية.
وما بين الحدثين السابقين أو “الواقعتين”، تتكشف ملامح مفارقة بنيوية في المشهد الإعلامي والثقافي الغربي، ترتبط بمفهوم “الخطوط الحمراء”، وتكاد تكون أقرب إلى “ازدواجية مرتبكة” أو “انفصام شخصية/ شيزوفرانيا” في معايير استعمال حق “حرية التعبير” الذي تحميه القوانين الغربية بصرامة في موضوعات بعينها (مثل حقوق المثليين جنسيًا)، وتتمايع عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.