رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : العزلة تضيء الخيال

*”نحن نعاني في الخيال أكثر مما نعاني في الواقع”. لوكيوس سينيكا فيلسوف روماني ولد في الرابع ق. م.
في الثقافة الثنائية هناك فصل مستمر بين الواقع والخيال مع ان الخيال جزء جوهري من الواقع وفي الخيال نشعر نفسيا وجسديا بكل أحاسيس تجارب الواقع، كما هناك عزل بين الفكر والعاطفة خاصة في العقل الشعاراتي مع ان العاطفة جزء جوهري من العقل وفي كل عاطفة فكر وبالعكس لذلك قال سارتر وهو يكتب سيرته الذاتية بعنوان الكلمات :” سأكتب حياتي لكن عن طريق الخيال”. الذهنية الثنائية المانوية رسختها الثقافة السياسية السطحية، عقلية الأبيض والأسود والخ.
الأشخاص الذين يعشقون العزلة هم من الصنف المتصالح مع نفسه وهم في الداخل كما في الخارج وهؤلاء في مجتمع تنكري بالاقنعة يشعرون بالاغتراب والنفي كوجود ناسك في شاطئ للعراة.
يقول نيتشه” إن العزلة لا يتحملها غير وحش أو اله” الاله مكتمل بذاته والوحش غير مدرك. لكن المتصالح مع نفسه لا يحتاج الى الشعور بالقيمة من خارجه ولا الخوف من النبذ لأنه لا يخشى غياب أحد ولا ينتظر حضور أحد لأنه يستمد قيمته من نفسه.
العزلة غير الوحدة وهي مفهوم خلقه الرهبان في الانقطاع عن العالم وصار متداولاً اليوم، يمكن أن تعيش العزلة في قلب الحياة والحشود: العزلة روح وليست مكاناً.
الذين يعشقون عزلتهم يملكون طاقة خارقة على تحمل العواصف لأن المعتزل مكتفي بذاته ولا يحتاج لمن يرحل، بل يفتح له الباب، وعزلته مضيئة ومن يحرقها يحترق، وليس كل فرد يستطيع العزلة ما لم يكن متصالحا مع ذاته ومنسجما معها أو عكس ذلك تتحول الى كوابيس لهذا انتشر التعبير الشائع عن الذهاب الى مكان ” لقتل الوقت” لكن الحقيقة هروب من العزلة ومن مواجهة الذات المتشظية.
من الخطأ الشائع ان العزلة تعني نقصاً في العلاقات وهذا وهم بنته اللغة ـــــــــــــ عزلة ــــــــــــــ في حين هي مساحة لاكتشاف الذات التي تقود الى اكتشاف الحياة وصفاء نفسي ولا تشترط غياب الناس بشكل مطلق بل البحث عن مساحة بلا ضجيج وعلاقات اكثر صفاءً يجسدها قول الروائي هنري ميللر الى أناييس نن” كنت ناقصاً ، فإكتملت بك”.
العزلة عن الضجيج هي القوة في ان تراقب العالم دون أن تكون متماهيا فيه. أنت وحدك عالم مكتمل سواء في مكان منعزل أو في قلب الحشود.
العزلة امتلاء بالذات والوحدة افتقار الذات. الأولى خيار والثانية غرض أو هدف أو إكراه. العزلة عن الضجيج حرية وكرامة عندما تكون خياراً لكنها تكون إهانة عندما تكون إكراهاً. الأولى فضاء مفتوح والثانية سجن مغلق.
يقول الفيلسوف بول تيليش: “اللغة أوجدت كلمة الوحدة لتعبر عن ألم أن تكون وحيداً، وأوجدت كلمة العزلة لتعبر عن مجد أن تكون وحيداً.”. العزلة لا تعني الانفصال عن الحياة بل العيش في قلبها النابض.
العزلة منتجة في حين الوحدة موحشة. في العزلة تنتظر لقاء ذاتك وفي الوحدة تنتظر لقاء أحد.
العزلة مكان لا يقبل التفاوض وعصي على الاحتراق الخارجي وبتعبير الشاعر ايمي سيزار “عزلتي حاضرة فليحرقها من يحرقها” رغم ان عزلة سيزار كانت مليئة بالفكر والشعر والمقاومة الانسانية للشر رمز الحركة المعادية للاستعمار.
قد يكون الفارق بين عزلة دوستويفسكي وعزلة سيزار ان الاول يركز على المقاومة النفسية والصلابة الداخلية لكن الثاني يذهب الى المواجهة.
عزلة الأول حضور الذات المستقلة المستغنية وعزلة الثاني فعل تمرد.
من الغباء أو الجنون الدخول في معركة مع انسان عاشق عزلته لأنه مستعد لتدمير كل شيء في طريقه بل مستعد لاشعال حريق في كل مكان دون أي مبالاة وبتعبير دويستوفسكي:
” إذا غضب غضباً شديداً وخرج عن طوره، يمكن في حالات قصوى أن يمضي في الصراحة إلى درجة الاستخفاف والاستهتار أو يرمي نفسه من برج ناقوس”.
الفيلسوف غاستون باشلار نقل العزلة من الصيانة النفسية لدوستويفسكي ومن التمرد عند ايمي سيزار الى فعل شعري وجمالي عندما جعل العزلة” ملجأ للأنا الحالمة” وخصوصا احلام يقظة أمام لهب شمعة وغاستون باشلار في كتابه :”لهب شمعة” يقول:
” إن لهب شمعة هو من بين أشياء العالم التي تستدعي الأحلام، وهو من أعظم صانعي الصور ، اللهب يجبرنا على التخيل، وحالما تشرع بالحلم أمام اللهب، فإن كل ما تراه يصبح لا شيء أمام ما تتخيله”.
لماذا اللهب يجبرنا على التخيل في حين لا يستطيع المصباح فعل ذلك؟
علاقة الانسان بالنار قديمة وهي تستدعي ماضيه العريق وعلاقته بالغابات والنيران التي لم تنطفئ والامطار والرياح في الذاكرة العميقة، في حين علاقتنا بالمصباح حديثة.
نار الموقد وشعلة اللهب تضيء الخيال، في حين المصباح يضيء المكان.
المصباح صامت وجامد لا يتحرك حتى ننساه، لكن لهب شمعة يرقص أمامك ويعيدك الى زمن البراءة المفقودة، زمن الحكايات وطقوس الرقص على النار.
المصباح لا يحتاج الى من ينظر اليه لأنه بلا ذاكرة ولا روح، في حين النار ذاكرة وروح وخيال. كل المصابيح في محطة أو منزل أو حفل لا توقظ أحلام اليقظة كما أمام لهب شمعة في غرفة منعزلة، اللهب لا يضيء في الصخب بل في الصمت. اللهب أنيق وشاعري والمصباح صاخب ووظيفة.
عزلة باشلار ليست صماء بل امتلاء وفي كل زاوية في المنزل يمكن للانسان ان يعيش حلم يقظة في كوخ أو عليّة أو ركن في المنزل. “البيوت تتأثث بالأحلام والذكريات وليست بالأثاث” يقول.
الذين يرحلون من بيوت عاشوا فيها وأثثوها بالأحلام والذكريات يلتفتون الى الخلف عند الرحيل لأننا” لا نسكن الأماكن بل تسكننا” والالتفاتة الاخيرة ليست نظرة وداع بل لانك تركت أحلامك عالقة في زوايا المنزل وستطاردك الاحلام والذكريات أنّا ارتحلت .
من رحل هو الوعي أما الخيال فهو مستقر. الخيال لا يرحل. لو عدت يوما الى المنزل ستشعر أن أقدامك عاجزة عن المشي وخطواتك ثقيلة جسدتها أغنية حسين نعمة للشاعر جبار الغزي:
” رديت وجدامي تخط حيرة وندم ــــــــــ رديت وعيوني تخط گبل القلم”.
ـــــــــــــــــ اللوحة: هذه اللوحة تجسد أسوأ أنواع الوحدة :لوحة «حجرة في نيويورك» للفنان الامريكي أدوارد هوبر الذي تصور لوحاته مفهوم الوحدة والمنفى حتى داخل المنزل عندما تتفكك وتتحلل العلاقات الانسانية،
تصبح المسافة القصيرة بين إثنين هي شاطئ بعيد. المرأة تحاول لفت انتباهه عند الضرب على البيانو لكنه مستغرق في القراءة. هي بكل اناقتها ومستعدة لحفل وليلة طيبة لكنه في مكان آخر. الزوج قريب لكنه بعيد، رجلها تميل إلى الزوج دلالة على رغبتها في الحديث معه، الباب الخلفي مغلق كالعلاقة بلا مقبض. تبدو مسافة الطاولة القصيرة التي تبعد بين الزوجين كالمسافة بين شاطئين: هذا هو المنفى الأكثر تعاسةً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى