رؤي ومقالات

د. أيمن منصور ندا يكتب :أن تكون حمدين صباحي “خُلِقتُ لأعترض”!

في فيلم “خلي بالك من زوزو” كان عمران، (محيي إسماعيل) واحداً من هؤلاء الذين يبدو أنهم لا يحتاجون إلى معرفة السؤال قبل تجهيز الإجابة.. شعاره حاضر دائماً: “أعترض… جمعااااء”.. يكفي أن يتفق الآخرون حتى يشعر أنَّ عليه أن يختلف، وأن تميل الكفة ناحية حتى يجد مكانه الطبيعي في الناحية الأخرى.. كان عمران شخصية سينمائية مضحكة، لكنَّ السياسة المصرية أخذت الإيفيه بجدية أكثر مما ينبغي، والأستاذ حمدين صباحي واحد من أكثر نماذجه اكتمالاً؛ بدأ يعترض طالباً، ثم نائباً برلمانياً، ثم مرشحاً رئاسياً، ثم زعيم معارضة، حتى يصعب أحياناً تحديد أين ينتهي حمدين وتبدأ المعارضة.. لم يعد الاعتراض عنده مجرد موقف سياسي، صار جزءاً من تعريف الرجل لنفسه، ومن تعريف الآخرين له.. أنا أعترض، إذاً أنا موجود.. مارس حمدين المعارضة طويلاً، حتى صارت المعارضة تمارس حمدين!
أن تكون حمدين صباحي ليس أن تختلف مع السلطة؛ فهذا هو الحد الأدنى المطلوب من أي معارض.. أن تكون حمدين هو أن تطيل الإقامة في مقعد المعارضة حتى يتحول المقعد من موقع سياسي إلى عنوان دائم، ويصبح الاعتراض أقل ارتباطاً بما تفعله السلطة، وأكثر ارتباطاً بمن تكون أنت.. مشكلة حمدين أنه لم يعد فقط رجلاً يعارض؛ صار معارضاً يحتاج، مثل كل صاحب مهنة، إلى أن تظل المهنة موجودة، وإلى أن تظل الأزمات قائمة.. وصار محترفاً في المعارضة، حتى بدا أحياناً كأنَّ تغيير السلطة أسهل من تغيير موقعه منها.. لم تعد المعارضة واحدةً من أدواره السياسية؛ أصبحت الدور الذي تنتظم حوله بقية الأدوار.. وربما كانت مأساة حمدين تحديداً أنه كان معارضاً جيداً إلى الحد الذي جعل الخروج من الدور أصعب من الاستمرار فيه..
حتى المهن والمواقع التي شغلها حمدين تبدو، عند النظر إليها من مسافة، وكأنَّ السياسة ابتلعتها؛ فهو صحفي بالتكوين والمهنة، وعضو سابق في مجلس نقابة الصحفيين ورئيس تحرير سابق، ومع ذلك يصعب أن تبدأ سيرته بإنجاز صحفي صار علامةً مستقلةً عن اسمه السياسي.. وكان نائباً نشطاً قدم استجوابات ومعارك رقابية عديدة، لكنَّ الذاكرة احتفظت بحمدين المعارض أكثر مما احتفظت بتشريع أو مشروع مؤسسي يحمل بصمته.. في كل مرة تقريباً، كان السياسي في حمدين أكبر من الصحفي والنائب؛ وكان الاعتراض هو المهنة التي تبتلع بقية المهن..
في السياسة المصرية معيار غير مكتوب للزعامة يمكن أن نسميه “نظرية القابلية للحمل على الأكتاف”: كم شخصاً يستطيع أن يحملك، وكم حنجرةً تستطيع أن تهتف باسمك؟ وحمدين امتلك دائماً مقومات الصورة: الوجه الوسيم، الشعر المرتب، الابتسامة الصافية، اللغة الشعبية، صورة ابن الفلاح والصياد، والجملة التي تصل بسهولة إلى آخر الصفوف.. لكنَّ القدرة على تحريك الجمهور ليست شهادةً في إدارة الدولة، ولا دليلاً على القدرة على حل أزماتها.. والجماهير لا تسأل من تحمله على أكتافها عن سعر الصرف، ولا تطالبه بدراسة جدوى لأقواله.. وليس كل من تستطيع الجماهير حمله على أكتافها قادراً على حمل أعبائها على كتفيه.. وبين الهتاف والفعل توجد منطقة شاسعة اسمها الإدارة..
انتخابات 2012 كانت اللحظة التي بدا فيها أنَّ حمدين على وشك أن يخرج من صورة المعارض التقليدي إلى مساحةٍ أوسع؛ حصل على نحو خمسة ملايين صوت، وجاء ثالثاً في أول انتخابات رئاسية بعد الثورة.. لكنَّ هذا الرقم لم يكن كتلةً سياسيةً متجانسةً بقدر ما كان ملتقى لرفض متعدد الاتجاهات: من لا يريد الإخوان، ومن لا يريد مرشحاً محسوباً على النظام القديم (الفلول)، ومن أراد مرشحاً محسوباً على الثورة بغير لحية أو رتبة عسكرية.. كان حمدين مرشحاً مثالياً لمن لا يريد الآخرين.. هنا يظهر الفارق بين “ائتلاف الرفض” و”ائتلاف التأييد”: الأول يجمع المختلفين مؤقتاً حول استبعاد خصم، أما الثاني فيجمعهم حول مشروع يريدون له أن يستمر بعد انتهاء التصويت.. خمسة ملايين صوت اجتمعت عليه، ولم تجتمع بالضرورة حوله.. والناخب قد يختارك مرةً، لكنه لا يصبح تلقائياً جزءاً من مشروعك.. ومن صوّت لك ليس بالضرورة صار لك..
ولعلَّ التحدي الحقيقي بعد 2012 كان تحويل التعاطف إلى عضوية، والناخب إلى قاعدة، واللحظة إلى مؤسسة، والمرشح إلى مشروع يستطيع البقاء من دونه.. تعاقبت الكرامة، والتيار الشعبي، والجبهات والتحالفات والحركة المدنية، لكنَّ المسافة ظلت واسعةً بين الحضور الإعلامي والسياسي وبين القدرة التنظيمية.. لم يظهر حزب كبير قادر على استيعاب ذلك الزخم، ولا صف ثانٍ وثالث، ولا ماكينة سياسية مستمرة.. وهذه ليست مأساة حمدين وحده؛ فقد كان لدينا دائماً معارضون كبار، ومعارضة صغيرة.. نحن نجيد صناعة المناضل ذي الحضور الإعلامي أكثر مما نجيد صناعة الحزب صاحب القاعدة الشعبية..
ثم جاءت انتخابات 2014 لتقدم كشف الحساب.. دخل حمدين السباق في مواجهة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومعه في الذاكرة نحو خمسة ملايين صوت من انتخابات 2012؛ وخرج منه بـ757 ألفاً فقط.. والمفارقة أنَّ أكثر من مليون ناخب أبطلوا أصواتهم؛ أي أنَّ حمدين، في انتخابات لم يكن فيها سوى مرشحين، نجح سياسياً في أن يحل ثالثاً: السيسي أولاً، والأصوات الباطلة ثانياً، ثم حمدين! ولم يخسر حمدين هذه الانتخابات فقط؛ خسر الرقم الذي عاش عامين في ظله.. ودخل السباق مرشحاً رئاسياً، وخرج منه بشهادة وفاة سياسية..
وللتناقض عند حمدين صور أكثر طرافةً من الخلافات الفكرية المجردة.. فهو ناصري في العقيدة.. متحالف مع الإخوان عند الصندوق؛ عرف أن خصوم عبد الناصر التاريخيين يمكن أن يصبحوا حلفاء مفيدين عندما تقتضي حسابات السياسة ذلك، وأن تجمعه بهم أيضاً علاقات نسب ومصاهرة.. ويستدعي جلابية الأب والمنديل المحلاوي حين يتحدث عن جذوره الريفية، بينما يعرف جيداً أناقة البدلة الحديثة من بريوني وكيتون وغيرها.. يفكر مثل جمال عبد الناصر، ويعيش مثل فؤاد باشا سراج الدين؛ ناصري في العقيدة، باشا في الحياة.. لكن هذه كلها تناقضات سهلة، وربما سطحية، أمام التناقض الأعمق في تجربة الرجل: علاقته نفسها بعبد الناصر.. فهو يريد عبد الناصر بغير سجونه، ويوليو بغير سلطويتها، والدولة القوية بغير تغولها، والعدالة الاجتماعية بغير دولة الحزب الواحد.. أي أنه لا يريد التخلص من الناصرية؛ يريد فقط نسخة منقحة منها بعد حذف الأشياء التي جعلتها تاريخياً ناصريةً!
ويلخص موقع حمدين بين 25 يناير، و23 يوليو صراعاً داخلياً بين مرجعيتين سياسيتين مختلفتين: يناير تقول إنَّ المواطن أكبر من الحاكم، وإنَّ الشرعية تأتي من أسفل، وإنَّ المؤسسات أبقى من الأشخاص؛ أما يوليو في صورتها التاريخية فتمنح الدولة المركزية والزعيم والمشروع الكبير مكانةً أعلى.. والمشكلة هنا ليست مجرد اختلاف في السياسات، بل اختلاف في مصدر الشرعية نفسه: هل تستمد الدولة قوتها من الزعيم الذي يجسد المشروع، أم من المؤسسات التي تقيد الزعيم مهما كان حجم المشروع؟ حمدين يريد الثورة والدولة، والحرية والزعيم، والمشاركة والمركزية، وكل ذلك في وقت واحد.. ينتمي إلى يناير سياسياً.. وإلى يوليو وجدانياً.. ولا تظهر المشكلة ما دامت هذه القيم لا تتصادم؛ الامتحان يبدأ عندما يصبح على السياسي أن يختار.. وهنا تتضح مشكلة أوسع من حمدين نفسه: الديمقراطية ممتازة ما دامت نتائجها مناسبة…
ومواقف حمدين من عدد من الأنظمة العربية تكشف ترتيباً آخر للقيم؛ فالرجل الذي يجعل الحرية ركناً أساسياً في خطابه الداخلي استطاع أن يجد مساحةً أوسع للتفهم مع بعض الأنظمة العربية الاستبدادية.. فهو ديمقراطي في القاهرة.. قومي في دمشق.. عروبي في بغداد.. مقاوم مع حزب الله في بيروت.. وثورجي في طرابلس؛ تتغير اللغة بتغير العاصمة، ويتغير ترتيب المبادئ بتغير الموقف.. وكان “مكتب إعلام الوطن العربي – صاعد” ملتقى لكل هذه التوجهات المتعارضة حين يتطلب الموقف ذلك.. لم تتغير حقيقة الاستبداد في أي من هذه العواصم، وإنما تغيرت درجة اعتراض حمدين عليه بحسب اتجاه البوصلة، وحسب المصلحة.. كأنَّ الديمقراطية عنده كانت مبدأً ثابتاً في القاهرة، وقيمةً قابلةً لإعادة الترتيب كلما عبرت الحدود.. الديمقراطية تسافر مع حمدين دائماً؛ لكنها لا تحصل في كل العواصم على الدرجة نفسها في الطائرة!..
وتستحق مراجعات حمدين في 2025 التوقف عندها لأنها قدمت صورةً نادرةً لسياسي مصري يحاول مساءلة نفسه.. في سلسلة “نصيبي من الخطأ” عاد إلى محطات أساسية من تجربته، واعترف بأخطاء في اختياراته وتحالفاته ومواقفه، وتناول أيضاً فشل بناء التنظيم.. وهذه شجاعة لا ينبغي إنكارها؛ فالسياسي المصري يجيد عادةً كتابة مذكراته باعتبارها سجلاً لأخطاء الآخرين.. لكنَّ ميزة حمدين أنه امتلك شجاعة الاعتذار عن أخطائه؛ ومشكلته أنه احتفظ لنفسه بحق اختيار الأخطاء التي يعتذر عنها.. دخل المحكمة متطوعاً، وجلس على كرسي المتهم، ثم اكتشفنا بعد قليل أنه أيضاً رئيس الدائرة، والنيابة، وهيئة الدفاع.. اختار الاتهامات، ووزع المسؤوليات، وحدد ما يدخل ملف القضية وما يُحفظ إدارياً، ثم أصدر الحكم.. يعترف بالأخطاء.. ويختار بنفسه قائمة الأخطاء التي تستحق الاعتراف! وفي أغسطس 2026، واصل حمدين اعترافاته واعتذاراته؛ فوصف رابعة بالمجزرة واعتذر عن خفوت موقفه منها، كما اعتبر ترشحه في 2014 خطأً.. ولا يقلل ذلك من قيمة الاعتراف، لكنه يطرح سؤالاً أصعب: لماذا تصبح بعض الحقائق أوضح بعد أن تفقد قدرتها على تغيير مسار الأحداث؟ حمدين شجاع في مراجعة التاريخ.. بشرط أن يكون قد أصبح تاريخاً!
المعارضة في أي نظام سياسي ناضج ليست جماعةً متخصصةً في الاعتراض، بل حكومةً محتملةً تنتظر دورها؛ تبني كوادر، وتصنع سياسات، وتستعد لليوم التالي.. أما عندنا فقد تحولت أحياناً من “حكومة ظل” إلى “ظل حكومة”؛ تعرف جيداً ما الذي يجب ألا تفعله السلطة، لكنك تحتاج إلى وقت أطول كي تعرف ماذا ستفعل هي إذا أصبحت السلطة.. وهكذا عمل المصنع السياسي المصري بكفاءة مدهشة في إنتاج الخطباء والمناضلين وأصحاب البيانات، وبعجز مزمن في إنتاج الحكومات البديلة.. نعرف من يستطيع أن يقول للحكومة: “لا”، لكننا أقل يقيناً بمن يستطيع أن يقول للناس: “هذه هي الخطة”.. ولم يدفع أصحاب هذا النموذج الحساب وحدهم؛ دفعت مصر جزءاً كبيراً منه أيضاً..
غياب البديل المدني القادر على الحكم، والجاهز لإدارة الدولة هو الخسارة السياسية الأكبر لهذا النمط.. بعد أكثر من سبعة عقود على يوليو 1952، ما زالت السياسة المصرية كلما وصلت إلى لحظة الاختيار الكبرى تعود إلى الثنائية القديمة نفسها: الإخوان أو العسكر، التنظيم الديني أو الدولة بأجهزتها.. وبينهما مساحة مدنية واسعة كان يفترض أن تتحول منذ عقود إلى البديل الثالث، حتى بدا أحياناً أن البديل الثالث هو الاسم السياسي للشيء الذي لا يصل أبداً.. أنتجت هذه المساحة رموزاً أكثر مما بنت مؤسسات، واعترضت أكثر مما أقنعت.. وأتقنت الاجتماع حول من لا تريده أكثر من الاجتماع حول ما تريده.. وبعد يناير أتيحت لها لحظة تاريخية نادرة؛ ظهرت الأحزاب والجبهات والتيارات وجبهة الإنقاذ، وامتلأت الساحة باللافتات والأسماء والبيانات، لكن عندما جاء السؤال البسيط: من يستطيع أن يحكم؟ عاد المصريون إلى المخزن القديم نفسه.. لم تكن المشكلة دائماً أن الجمهور لم يجد المدنيين؛ بل أن المدنيين لم يمنحوا الجمهور أسباباً كافيةً ليختارهم.. وإذا لم يكن الإخوان، ولم يكن العسكر.. فمن؟ فشل التيار المدني في أن يصبح الإجابة، فظل المصريون أسرى السؤال..
نعود أخيراً مرة أخرى إلى عمران (محيي إسماعيل)؛ انتهى “خلي بالك من زوزو”، وبقي “أعترض.. جمعااااء” إفيهاً لطيفاً لشخصية سينمائية، لكن الحكاية تختلف عندما يتحول الإفيه إلى سيرة سياسية.. والمشكلة ليست أن تعترض؛ المشكلة أن تقضي عمراً كاملاً تقول للناس لماذا لا يصلح الآخرون، من دون أن تمنحهم الإجابة الكاملة عن السؤال الأصعب: وهل تصلح أنت؟ خُلق حمدين ليعترض؛ فهل خُلق أيضاً ليحكم؟ تلك هي المسألة. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى