كتاب وشعراء

ذئبُ الجغرافيا ••• زكريا شيخ أحمد / سوريا

أيها الرفاقُ الذين تركوا أصابعَهم

في شقوقِ البنادق …

أيتها الأمهاتُ اللواتي خبّأنَ الفجرَ في أكياسِ

الطحين…

التاريخُ ليس قصيدةً تُكتبُ على مهل،

التاريخُ ذئبٌ جائعٌ يقفُ على الباب.

أنا “فرهاد”.. الذي غادرَ مقاعدَ الجامعةِ ذاتَ

خريف و لم يَعُد.

ثلاثون عاماً و أنا أقايضُ شبابي بحجرِ الجبل،

أنزعُ الشوكَ من جفنِ الفكرة،

و أنظفُ جروحَ الرفاقِ بملحِ الصبر.

لم أكن أبحثُ عن رداءٍ من قصب،

و لا عن كرسيٍّ مذهّبٍ في دمشق،

كنتُ فقط.. أريدُ ألا تموتَ أشجارُ الزيتونِ في

عفرين مرتين.

الآن… السماءُ من فوقنا باردةٌ كعينِ غريب،

و الحلفاءُ غادروا… كموجةٍ سخرتْ من

شاطئها.

يقولون لي: كن قاضي محمد.. و اصعد

المشنقةَ بكبرياء .

آهٍ.. ما أسهلَ الموتَ حين يكونُ الوداعُ مجردَ

حبلٍ و ساحة!

ما أسهلَ أن أصيرَ رمزاً معلقاً في الريح،

بينما المدنُ من خلفي تتحولُ إلى مقابرَ

جماعية…

و الأطفالُ يُساقون إلى منافٍ لا أسماءَ لها.

أنا لا أبيعُ دماءَ الشهداء،

أنا أحرسُ ما تبقى من ملامحِهم في وجوهِ

الأحياء.

أنا أوقعُ هذه الورقةَ المُرّة..

ليظلَّ الطفلُ الكرديُّ يتهجّى اسمَ أمِّهِ في

الدفاترِ الرسمية،

لتظلَّ أمي تخبزُ أرغفتَها دون أن يباغتَها رصاصُ

الغزاة،

لتظلَّ الأرضُ لنا… و إن تبدلتْ الراياتُ فوق

السطوح.

فلتسمّوني خائناً… إن كان هذا ثمنَ النجاةِ من

الإبادة،

فلتحرقوا صوري …

و لتكسروا تماثيلي… إن كان في كسرِها بقاءٌ

لطينِ كوباني.

أنا أنحني للعاصفةِ ليس خوفاً من الموت،

فقد متُّ مئات المراتِ في الخنادق،

لكنني أنحني…لتمرَّ الريحُ السامةُ فوق رؤوسِ

الصغار

و تبقى الجذورُ حيةً في باطنِ الأرض.

التاريخُ سيبكي طويلاً خلفَ بواباتِ أرضنا،

و الشعراءُ سيكتبون مراثيَ قاسيةً عن خياري

الأخير.

لكنني في عتمةِ هذه الليلة..

أخترتُ أن يعيشَ الإنسانُ و لو مكسورَ الجناح،

على أن يطيرَ الحلمُ مذبوحاً… في سماءٍ لا

ترحم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى