الأمّ الساقية: أسطورة الخلق القروي.. تأمّلات في نصّ الشاعر: تيسير حيدر.. بقلم الناقد: نذير الحسن

تمهيد
في نصوص تيسير حيدر، لا تكون الأمّ مجرّد أمّ. إنّها أصل، عنصر، أسطورة، كون. في “كرم سمرا”، كانت تحمل الحطب والعمر والعبرات، أيقونةً للحمل الوجودي. أمّا في “أساطير قريتي”، فتتحوّل إلى ساقية، إلى ماءٍ يجري في الوادي، إلى نهرٍ بدئيّ يبحث عن ابنه قبل أن يولد. هذا التحوّل ليس صورةً شعرية عابرة، بل نقلة وجودية من الأمّ كإنسانة إلى الأمّ كأصلٍ كونيّ، ومن الولادة كحدث بيولوجي إلى الولادة كطقسٍ أسطوري.
النص كاملاً
“من أساطِيرقَريَتي …”
ماذا لَو كانَت أمِّي سَاقِيَةً غَزرَتْ في الوادي المُحاذي لِقريَتي، حَمَلَت طَمْيَها وأوغَلَتْ في الإنحِدارِ والجَرَيان تُمَشِّطُ شَعْرَ الأعشاب المُعانِقةِ والمُرَحِّبَةِ بقُدومِها؟!
تَجَاذَبَتْ وحَبَكَتْ زُنودَها سَارَت على غَيرِ هُدىً
كَم صَخْرةٍ تَرجوها الرُّكونَ إلى حُضْنِها!
كَم شَوكَةٍ حَاوَلَت اصْطِيادَها!
كَم نَمْلَةٍ حَاوَلَت امْتِطاءَها لِلخَلاص!
كَم طَائرٍ غَرَزَ منْقارَهُ فَوَلَّتْ هارِبَةً بحِيْلَةِ الأذْكِياء!
كَم خَروفٍ حَاوَلَ ارْتِشافَها فابْتَعَدَتْ مُحَيِّيَةً فَمَهُ الشَّرِه!
أسْرَعَتْ، انْحَنَت واسْتقامَتْ كَما يَحْلو لِلأودِيَةِ العاشِقة
ثَابَرَتْ ووَصَلت قُربَ بَيْتِنا العَتِيد
كانَت عُيونُ والدي تَنْظُرُ بوِدٍ إلى حِبالِ المياهِ المُتَوَهِّجة بالحَياة وكانَتْ قَابلَتي تَنْتَظِرُ المَولودَ، خُدِعَتْ وظَنَّتْ ضَفائرَ المَاءِ حَبْلَ الخَلاص ،قَطَعَتْهُ ولَفَّتْني بمنْشَفَةِ الغُيوم
تَجَمَّعَت أشْجارُ اللَّوزِ والزَّيتون والحقول وبَسماتُ الجَاراتِ
هَزَّتْ سَرِيري عَشْتروتُ ،صَرخْتُ وبكَيتُ
وَصرْتُ أزُورُ كُلَّ شِتاءٍ شَهِيٍ اُمِّي السَّاقِية
تيسير حيدر _ لبنان
أولاً: الماء ليس ابنة الأمّ، بل الأمّ هي أصل الماء
في الميثولوجيا القديمة، الماء هو العنصر الأوّل. منه خرجت الآلهة، ومنه تكوّن الكون. تيامات في ملحمة الخلق البابلية هي البحر البدئيّ، ومن جسدها خُلق العالم. في التكوين التوراتي، روح الله ترفرف على وجه المياه. في الأساطير السومرية، إنكي هو إله الماء والحكمة، ومنه تدفقت الحياة.
لكنّ تيسير حيدر يعكس المعادلة: الأمّ ليست ابنة الماء، بل الماء هو ابنها.
هذا القلب الميثولوجي يمنح الأمّ أسبقية كونية: هي ليست جزءاً من الطبيعة، بل أصلها. الماء ليس عنصراً تولد منه، بل هو منبثق منها، وكأنّها أمّ العناصر، لا مجرّد أمٍّ بشريّة. في النصّ، تبدأ الساقية كمجرد ماءٍ يجري، ثمّ تتحوّل تدريجياً إلى كائنٍ أسطوري: تغزر في الوادي، تحمل طميها، تمشّط شعر الأعشاب، تجادل وتُحبك زنودها، وتسير على غير هدىً. إنّها ليست مجرى ماءٍ عابراً، بل إلهة مائية قروية، تحمل جينات آلهة المياه القديمة: إنانا، عشتار، نينهورساج، تيامات. لكنّها ليست نسخةً عنها، بل تجسيدٌ قرويّ، تسكن في الوادي لا في المعبد، وتتحدث مع الأعشاب لا مع الكهنة.
ثانياً: رحلة الساقية كطقس عبور
الساقية لا تبقى ساكنة. إنّها ترحل، تسير، تخوض، تصمد، ثمّ تصل. رحلتها من الوادي إلى البيت العتيد هي رحلة بطلة أسطورية، تمرّ فيها باختبارات تشبه اختبارات جلجامش وأوديسيوس وهرقل.
تصادف الصخور التي ترجو الركون إلى حُضنها، فتمتحن ثباتها. يحاول الشوك اصطيادها، فتمتحن ألمها. يحاول النمل امتطاءها للخلاص، فتمتحن قدرتها على منح النجاة. يغرز الطائر منقاره، فتمتحن ذكاءها وحيلتها. يحاول الخروف ارتشافها، فتمتحن عطاءها وقدرتها على البقاء.
لكنّ الساقية تجتاز هذه الاختبارات كلّها، ليس بقوّةٍ عسكرية، بل بالذكاء والحكمة والعطاء. إنّها بطلة أنثوية، حيث يكون السلاح هو الوعي لا القوّة، والهدف هو الحياة لا الانتصار.
وهنا تكمن المفارقة العميقة: في الأساطير الذكورية، البطل يبحث عن المجد أو الخلاص أو الخلود. أمّا الساقية فتبحث عن ابنها. هذا يجعل أسطورتها مختلفة جذرياً: إنّها ليست رحلة اكتشاف، بل رحلة ولادة. ليست رحلة ذهاب وإياب، بل رحلة من المنبع إلى المصب، حيث المصب هو البيت العتيد، حيث ينتظرها المولود. إنّها أمّ تسعى إلى ولادة ابنها، وكأنّ الماء يبحث عن ضفّته، وكأنّ النهر يبحث عن مصبّه، وكأنّ الحياة تبحث عن شكلها.
ثالثاً: مشهد الولادة الكونية
المشهد الختامي في النصّ هو ذروة الأسطورة. القابلة تنتظر المولود، لكنّها تخدع فتظنّ ضفائر الماء حبل الخلاص، فتقطعه وتلفّ الطفل بمنشفة الغيوم. هنا تتحوّل ضفائر الماء إلى حبل سريّ، والغيوم إلى قماط سماوي، ثوب الآلهة. الطفل لا يُلفّ بقطعة قماش عادية، بل بمنشفة الغيوم. إنّه ابن السماء والماء معاً، ليس مجرّد مولود قروي، بل طفل أسطوري وُلد من عنصرين كونيين: الماء والسماء.
ثمّ تهزّ سريره عشتروت، الإلهة التي تبارك الولادة. حضورها ليس مجرّد اسم أسطوري، بل علامة على أن هذا الطفل ليس مجرّد إنسان، إنّه تحت حمايتها. في الميثولوجيا الكنعانية، عشتروت هي إلهة الخصب والحرب والحبّ. حضورها في لحظة الولادة يمنح الطفل الخصب والحبّ والحماية. إنّها القابلة السماوية، التي تحضر حيث لا تحضر القابلة البشرية وحدها.
بهذا يصبح الطفل ابن ثلاث أمّهات: الأمّ البشرية، والأمّ الماء، والأمّ الإلهة. هذا التثليث يمنحه هويّةً أسطورية، لا تقلّ عن أبناء الآلهة في الميثولوجيا الكلاسيكية: أخيل ابن الإلهة ثيتيس، أو هرقل ابن زيوس، أو جلجامش ابن الإلهة نينسون.
تصادف الصخور التي ترجو الركون إلى حُضنها، فتمتحن ثباتها. يحاول الشوك اصطيادها، فتمتحن ألمها. يحاول النمل امتطاءها للخلاص، فتمتحن قدرتها على منح النجاة. يغرز الطائر منقاره، فتمتحن ذكاءها وحيلتها. يحاول الخروف ارتشافها، فتمتحن عطاءها وقدرتها على البقاء.
لكنّ الساقية تجتاز هذه الاختبارات كلّها، ليس بقوّةٍ عسكرية، بل بالذكاء والحكمة والعطاء. إنّها بطلة أنثوية، حيث يكون السلاح هو الوعي لا القوّة، والهدف هو الحياة لا الانتصار.
وهنا تكمن المفارقة العميقة: في الأساطير الذكورية، البطل يبحث عن المجد أو الخلاص أو الخلود. أمّا الساقية فتبحث عن ابنها. هذا يجعل أسطورتها مختلفة جذرياً: إنّها ليست رحلة اكتشاف، بل رحلة ولادة. ليست رحلة ذهاب وإياب، بل رحلة من المنبع إلى المصب ومن المصب إلى البيت.
رابعاً: القرية كمسرح مقدّس
في هذا النصّ، تتحوّل القرية إلى فضاء أسطوري. الوادي يصير طريقاً مقدّساً، والأعشاب تصير شعر الطبيعة، والصخور تصير شهوداً يحاولون احتواء الإلهة. البيت العتيد يتحوّل إلى معبد الولادة، والجارات يصرن كاهنات يشهدن الطقس الكوني، والأشجار تصير شهوداً يباركون الولادة، والشتاء يصير موسم العودة إلى الأصل.
هكذا تصير القرية أوليمبوساً قروياً، حيث تسكن الآلهة في الماء والأشجار والنساء، وحيث تكون الولادة طقساً كونياً، لا مجرّد حدث عائلي.
ما يميّز تيسير حيدر أنّه لا يكتب أسطورة مركزية كأساطير الملوك والمدن الكبرى، بل أسطورة قروية، حيث يكون البطل امرأة، والمكان وادياً، والحدث ولادة، والشهود جارات وأشجاراً وخرافاً. هذا الاختيار هو موقف وجودي: رفض الأسطورة الكبرى، وخلق أسطورة صغرى لا تقلّ عمقاً. إنّه يؤسّس لأسطورته الخاصّة، التي لا تحتاج إلى قصور أو معابد، بل إلى ماءٍ يجري في وادٍ، وإلى أمٍّ تبحث عن ابنها.
خامساً: العودة إلى المنبع الأوّل
الجملة الأخيرة من النصّ تحمل البعد الميثولوجي الأعمق: “وَصرْتُ أزُورُ كُلَّ شِتاءٍ شَهِيٍ اُمِّي السَّاقِيةَ”.
الشتاء هنا ليس فصلاً من فصول السنة، بل موسمٌ مقدّس، موسم الماء، موسم العودة إلى الأصل. الزيارة ليست زيارة عادية، بل طقس سنوي، كما يعود تموز إلى عشتار كلّ عام، أو كما يعود أوزيريس إلى نهر النيل.
العودة إلى الأمّ الساقية هي عودة إلى المنبع الأول، إلى لحظة الولادة الكونية، إلى الأسطورة التي كوّنت الهويّة. كلّ شتاء، يعود الابن ليؤكّد أنّه ليس مجرّد إنسان عابر، بل ابن الماء، ابن الأسطورة، ابن القرية التي صارت أوليمبوساً. هذه العودة ليست حنيناً، بل تجدّداً، وكأنّ الابن يغتسل كلّ شتاء في ماء أمّه ليولد من جديد، ليستعيد نقاءه الأسطوري، ليؤكّد أنّه لا يزال ابن الساقية، ابن الطمي، ابن منشفة الغيوم.
سادساً: أربع طبقات أسطورية
يمكن قراءة النصّ على أربع طبقات أسطورية متكاملة:
الأولى طبقة الخلق، حيث الماء هو أصل الوجود، والأمّ الساقية هي أمّ كونية تسبق العناصر.
الثانية طبقة الرحلة، حيث الساقية بطلة تخوض اختباراتها لتثبت جدارتها وتصل إلى البيت العتيد.
الثالثة طبقة الولادة، حيث يتحوّل الماء إلى رحم، والغيوم إلى قماط، وتتبارك الولادة بحضور عشتروت.
الرابعة طبقة العودة، حيث الشتاء موسم مقدّس، والابن يعود إلى أمّه الساقية ليستعيد هويّته الأسطورية.
بهذا يصير النصّ ليس أسطورة قروية فقط، بل ميثولوجيا كاملة للولادة والعودة والهوية.
سابعاً: النصّ في ضوء “كرم سمرا”
في “كرم سمرا”، الأمّ إنسانية لكنّها رمز للحمل الوجودي.
في “أساطير قريتي”، الأمّ أسطورية لكنّها رمز للولادة الكونية. معاً، يرسم تيسير حيدر صورة الأمّ الكاملة: أمّ الأرض والماء، أمّ الجسد والأسطورة، أمّ الوجع والخصب. طفولة هامشيّة تعيش الخوف والدعاء تقابلها أسطورة ولادة تحوّل الأمّ إلى عنصر طبيعي. المكان كرحم أرضي تقابله الساقية كرحم مائي. الخوف من الآتي الأعظم يقابله حضور عشتروت التي تبارك الولادة.
خاتمة
“أساطير قريتي” ليس نصّاً عن الأمّ، بل أسطورة خلقٍ قروية، حيث تكون الأمّ هي الأصل، والماء هو ابنها، والولادة طقسٌ كونيّ، والقرية أوليمبوس صغير. النصّ يقوم على أربع طبقات ميثولوجية: الخلق، الرحلة، الولادة، العودة. بهذا، يصبح النصّ ليس مجرّد قصيدة، بل نظاماً أسطورياً متكاملاً، يروي ولادة الطفل وهويّته، وعلاقته بالأمّ والعنصر والأسطورة.
ومضة ختامية
“ليس كلّ ماءٍ أمّاً، لكنّ ماء قريتي، حين جرى ليصير أمّاً، أصبح أسطورة. وليس كلّ طفلٍ يُلفّ بمنشفة الغيوم، لكنّ طفل قريتي، حين هزّت سريره عشتروت، صار ابن الماء والسماء. وفي كلّ شتاء، يعود ليزور أمّه، كي يتذكّر أنّه ليس مجرّد إنسان، بل أسطورة تمشي على الأرض.”
دام الألق والعبق…
───
نذير الحسن – سوريات العتيد، حيث ينتظرها المولود. إنّها أمّ تسعى إلى ولادة ابنها، وكأنّ الماء يبحث عن ضفّته، وكأنّ النهر يبحث عن مصبّه، وكأنّ الحياة تبحث عن شكلها.