
أنا فهمتكـم
قال في ليل ثقيل: أنا فهمتكم
والّليل يعرف كم أخفى وكتم
قالها والرّيح تعوي في الشّوارع
والقهر فوق صدورنا نارٌ
قال: فهمتكم
لكن متى سمع الملوك أنين من باتوا
على وجع الرّغيف بلا غطاء؟
متى رأوا وجه البلاد إذا انحنى خوفا
وصار الصّمت فيه بكاء؟
قال: فهمتكم جميعا
فارتجف المعنى كأنّ الكلمات
تعرف أنّها جاءت متأخّرة
كضيفِ سوءٍ بعد أن خمد العشاء
قال: فهمتُ العاطلَ المسكين
فهمتُ الذّي ضاقت به الدنيا
فهمتُ من نادى بحرّية رأيه
وفهمتُ من شكا الجراحَ إلى السّماء
لكنّ الذّين هم في السّاحات
لا يحتاجون خطاباً عابرا
بقدر ما يحتاجون عيشاً بلا عناء
يا قائلاً: أنا فهمتكم
هل كنت تسمع قبل ذلك خطواتِ أُمٍّ عند الصّباح
وهي تجرّ خيبتها إلى باب الدّواء؟
أنهكها الجوع والعياءُ
هل كنتَ تدركُ أن طفلاً في البلاد
يكادُ يحفظ شكلَ حزنِ أبيه أكثر مما يحفظ الأشياء؟
هل كنت تعرف أنّ في القرى قلوباً أنهكها الجوع؟
أن الشّباب إذا ضاقت به حياة الذّل
يبتكر من الرّماد بداية ويشقّ الجدار إلى الكفاح
قال: غلطوني
والشّعب يعرف أن من طال المدى
لا بدّ يوماً أن يرى ما قد جرى
فالأرضُ لا تنسى خُطَا الجلاد
والأمّهاتُ إذا بكينَ يصير دمعهنّ سيفاً في الوغى
قال: أنا فهمتكم
فقالت الأحياء في تونس
إن الفهم ليس عبارة مرتجفة تلقى على عجل
إذا اقتربت خيول الرّحيل من الفِناء
فالحلّ أن تُفتح النّوافذَ للهواء
وأن يردّ للفقير حقّه
وإلى المواطن صوته
وإلى الحقيقة ضوؤها بعد العناء
بقلم الشاعر:
الأسعد بن عربية