العمق الاستراتيجي الإسرائيلي المصطنع – كيف تعوّض إسرائيل ضيق الجغرافيا بوسائل أخرى :
كتب:علي حليم
مشكلة الجغرافيا الإسرائيلية معروفة ومحسومة في كل الأدبيات العسكرية فهي خريطة ضيقة تشبه عنق الزجاجة، يبلغ عرضها في بعض المناطق الوسطى قرب قلقيلية ونتانيا نحو 15 كيلومتراً فقط. هذه المساحة لا تمنح أي قائد عسكري فرصة لامتصاص الضربة الأولى ثم الانسحاب لإعادة التموضع كما فعل الروس تاريخياً.
إسرائيل كيان بلا خطوط خلفية تقريباً، ومراكز ثقلها السكاني والصناعي، وتحديداً في شريط “غوش دان” الساحلي، تقع عملياً تحت مرمى المدفعية الثقيلة والصواريخ قصيرة المدى. هذا الواقع الجغرافي القاسي ولّد ما أطلق عليه الباحث الإسرائيلي إفرايم إنهورن “عقدة الحصار”، وهي العقدة التي صاغ على أساسها دافيد بن غوريون أركان العقيدة الأمنية التقليدية: الردع، الإنذار المبكر، والحسم السريع في أرض العدو.
لكن ما الذي تفعله حين تكون الأرض نفسها غير قابلة للتمدد؟ الإجابة الإسرائيلية تمثلت في اختراع “عمق مصطنع” لا يعتمد على التضاريس بل يُبنى بأدوات عسكرية وتكنولوجية واستخباراتية وسياسية. أول هذه البدائل كان ما يمكن تسميته “العمق الهجومي الاستباقي”. بما أن إسرائيل لا تملك عمقاً للدفاع، قررت أن يكون عمقها الدفاعي هو أراضي جيرانها. هذا يفسر ضربة عام 1967، ويفسر عقيدة بيغن التي طُبقت في قصف المفاعل النووي العراقي “تموز” عام 1981 ثم في عملية “البستان” في دير الزور بسوريا عام 2007. إسرائيل تنقل ساحة المعركة فوراً إلى الخارج، وتعتبر أي بناء لقوة معادية على حدودها بمثابة خرق للخطوط الحمر يستوجب تدخلاً مبكراً يحمي خاصرتها الضعيفة.
البديل الثاني هو السيادة المطلقة في الجو. سلاح الجو الإسرائيلي ليس مجرد ذراع إسناد بري، بل هو الأداة الأساسية لتعويض المساحة. الطائرة المقاتلة التي تقلع من قاعدة في النقب تستطيع الوصول إلى أي نقطة مواجهة خلال دقائق معدودة، ما يعني تحويل الفضاء الجوي إلى خط دفاع أمامي. ومع دخول طائرات الشبح والتزود بالوقود جواً، امتد هذا العمق آلاف الكيلومترات ليصل إلى إيران واليمن. رافق ذلك بناء شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات (القبة الحديدية، مقلاع داود، حيتس) في محاولة لخلق “قبة حماية” تفصل بين الجبهة الداخلية ومصادر النيران. هذا المسعى الإسرائيلي يهدف إلى شراء الوقت، فالوقت في الحسابات العسكرية الإسرائيلية هو المعادل الموضوعي للمسافة الجغرافية المفقودة.
البديل الثالث يكمن في الاستخبارات وسيطرة المعلومات. طالما أنك لا تستطيع التراجع خطوة إلى الوراء، فعليك أن تعرف نية خصمك قبل أن يرفع سلاحه. هنا يبرز دور شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” ووحدات التجسس السيبراني والإلكتروني مثل “الوحدة 8200”. هذا النوع من الاستخبارات الاستباقية يعطي القيادة ساعات أو أياماً إضافية للتعبئة والانتشار، وهو ما يعوض غياب المسافات العازلة. كما دخلت التكنولوجيا كجدار عازل أرضي، مثل منظومات الاستشعار والجدران الفولاذية العميقة تحت الأرض التي بُنيت حول قطاع غزة لوقف التهديدات تحت السطحية.
أما البديل الرابع فكان سياسياً وجيوسياسياً عبر ما كان يُعرف قديماً بـ “استراتيجية الأطراف” لدافيد بن غوريون، والتي سعت للتحالف مع دول غير عربية في محيط العالم العربي مثل تركيا وايران قبل الثورة وإثيوبيا وغيرها . تطورت هذه الفكرة لاحقاً إلى السعي لبناء تحالفات أمنية إقليمية، والتطبيع، واستخدام المجال الجوي لبعض الدول، وحتى إنشاء نقاط مراقبة أو تعاون أمني في البحر الأحمر ومحيط الخليج، بهدف محاصرة مصادر التهديد بعيداً عن المركز الإسرائيلي قدر الإمكان.
لكن هذا العمق المصطنع، رغم كل التكنولوجيا والميزانيات الضخمة، يحمل في داخله نقاط ضعف هيكلية وقاتلة كشفتها حروب غزة ولبنان، وتحديداً زلزال السابع من أكتوبر 2023. الفكرة الإسرائيلية كلها قائمة على افتراض أن الإنذار المبكر سيعمل دائماً بكفاءة 100%، وأن الدفاع الجوي سيصد كل الصواريخ، وأن الخصم سيلتزم بقواعد الردع الكلاسيكية. حين فشل الإنذار لساعات قليلة فقط في غلاف غزة، انهار الدفاع فوراً، لأن المسافة الفاصلة بين السياج ومراكز القيادة والبلدات كانت تُقاس بمئات الأمتار فقط، ولا يوجد عمق جغرافي لامتصاص الصدمة واستيعاب الهجوم.
هنا تتضح آليات التصدي والتحييد الميداني لهذا الأسلوب. لمواجهة العمق الاستباقي، أثبتت حركات المقاومة أن الحل يكمن في “الدفن تحت الأرض” عبر شبكات الأنفاق المحصنة، مما يعطل فاعلية سلاح الجو الإسرائيلي ويجر الجيش إلى قتال تلاحمي قريب يلغي ميزة التفوق التكنولوجي. أما العمق الجوي والدفاع الصاروخي فيجري كسر فاعليتهما عبر “استراتيجية الإغراق الناري”، أي إطلاق رشقات كثيفة ومتزامنة ومتباينة الارتفاعات والسرعات (بين طائرات مسيرة رخيصة وصواريخ موجهة)، مما يستنزف مخزونات الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن ويفرض معادلة اقتصادية غير متكافئة.
إضافة إلى ذلك، فإن نقل المعركة إلى الداخل الإسرائيلي عبر ضرب محطات الطاقة، والموانئ، والمطارات، يضرب جوهر الفكرة الإسرائيلية؛ فالجغرافيا الضيقة تجعل المرافق الحيوية شديدة التركيز ومكشوفة، وتعطيل بضعة أهداف نوعية كفيل بشل الكيان بأكمله. كما أن التضليل المعلوماتي والانضباط العملياتي الصارم في الاتصالات يحرمان أجهزة التنصت الإسرائيلية من ميزة “الإنذار المبكر”، وهو ما يُبقي إسرائيل تحت ضغط المفاجأة الدائم