
في آخرِ نهاراتِ الخميس
أعودُ إلى بيتي الذي لا يتوقع عودتي ،
أفتحُ البابَ ببطءٍ شديد
كمن يعتذرُ للفراغ ..
أضعُ المفاتيحَ على الطاولة و أنا أنظر حولي ،
كأنني أقولُ :
كنتُ هنا قبل أن أغادر آخر مرة ..
و لم يسأل أحدٌ إن كنتُ سأعود ،
حتى البلاد التي كنتُ أحبّها
أغلقتْ أبوابَها عليّ ..
أصبحتُ غريباً
في المكانِ الذي
شهدَ ضحكتي الأولى
و قصيدتي الأولى
و رسالتي الأولى التي لم يقرأها أحد .
كلُّ الذينَ عرفتُهم ..
صار لهم أحدٌ ينتظرهم ،
حتى المقعد المقابل لي
في المقهى
وجد له صاحباً جديداً
يسأله :
قهوة أم شاي ؟ .
أنا بيتٌ
يسكنُ نفسَه ..
و أرصفةٌ
تمرُّ بها الأرواح
و لا تُسلّم .
لكنني ،
رغم كلّ شيء
أضع زهرةً في كأسٍ ماء
و أقولُ لها :
سنكبرُ معاً .. و لو بلا شهود .
أُشعلُ الضوءَ في زاويةٍ واحدة
و أجلس ،
كأنّي أنتظرُ أحداً
قد يأتي بأية لحظةٍ
من حلمٍ نسيتُ أن أحكِيه .
أخربش على الجدران بلغة لا يفهمها أحد .. و لا حتى أنا ..
لأقنع الفراغَ
أنني ما زلتُ أتنفّس ،
وأن البيتَ الأطرش
سيسمعني
حين أتكلم .
أُشغّلُ الأغاني القديمة
لا لأنها تُفرحني
بل لأنها تعرفُ وحدتي
بالاسم
و اللحن
و الخذلان .
أغني مع المطربين الموتى
كأنني أستعيد
أنفاسي الضائعة في صدورٍ رحلت
و لا أُحسن البكاء .
أصعدُ إلى سطحِ البيت ..
أبحثُ عن قمرٍ
مازال يتذكّرني ،
عن نجمةٍ
سقطت يوم نسيتُ أن أتمنى ،
أنظرُ إلى الشوارع
كمن يقرأ جريدةً من بعيد ..
أترجمُ نباح الكلاب
و أقنعُ نفسي أنها تنادي باسمي
حين تصحو المدينة على تعبها .
أُحدّثُ ظلّي
عن امرأةٍ
كان يمكن أن تكون جواري ،
عن يدٍ
كان يمكن أن تنتظرني
وراء الباب ،
عن طفلٍ
يسألني :
أنت تشبه أبي المفقود ..
هل أنت أبي ؟ .
أعيدُ ترتيب الغرف ..
لا لأنني أكره الفوضى ،
بل لأقنع نفسي
أن شيئاً تغيّر ..
أن الغياب ليس كل ما أملك .
أفتحُ النوافذ كلها دفعة واحدة
علَّ صوتَ عابرٍ يرتبك بي ،
علَّ عيونَ الجيران
تسأل :
من هذا الذي يعيش وحده
و يملك وحدة الكون ؟ .
أنا هذا الذي
ما عاد يحتاج إلى جدرانٍ جديدة ،
و إنما
إلى وجهٍ
ينظر إليه حين يعود ،
إلى صوتٍ
يسأله :
أأعجبكِ طبخي اليوم ؟ .
لكنني
أعود إلى البيت وحدي ،
و أغلق الباب بهدوووء ..
كأنني أختم نشيداً
لم يسمعه أحد من قبل .
سئمتُ الانتظارَ
في محطاتٍ لا قطاراتَ فيها
و لا حقائب ،
و لا حتى كلاب شاردة تطاردني حين أبصق على الليل و هو يلد الصباح ،
لذا قررتُ أن أُهدمَ المستقبل ..
أن أحوّل الأيام القادمة
إلى ساحةِ معركة
و أقودَ وحدتي
كجيشٍ بلا جنود ،
أن أرسم خطةَ غزوٍ
لا لأحتلَّ المدن ..
بل لأجعل العالمَ
ينتبهُ
أنني هنا
وحيدٌ
أخطّط بصمتٍ
لثورةٍ لا يعرفها التاريخ ،
و أن أرفعَ رايةً بيضاء
عليها بصمتي
و أعلّقها على شرفة البيت
كمن يقول :
هنا
تعيشُ روحٌ لم تجد ضوءا ..
فأشعلت نفسَها .
و ربما أُطلقُ أغنيةً
من سطح بيتي
تشقُّ السماء
و تؤلمها ،
فتمطر .