رؤي ومقالات

د. أيمن منصور ندا يكتب:أن تكون يحيى حسين عبد الهادي

الرجل الذي قال "لا".. فهل تقول له الدولة "نعم"؟

في الجهاز الإداري المصري ملايين الكلمات، لكن أصعبها على الموظف ليست “نعم” ولا “حاضر” ولا “تمام يا فندم”؛ أصعبها حرفان فقط: ” لا”؛ فالوظيفة عندنا لا تختبر دائماً كفاءة الموظف بقدر ما تختبر قدرته على البقاء موظفاً؛ ومَن يتعلم مبكراً أين يوقّع، ومتى يصمت، وكيف يمرر الورقة إلى المكتب التالي، يستطيع غالباً أن يصل إلى المعاش آمناً.. المهندس يحيى حسين عبد الهادي اختار الطريق الأقل أماناً: تعامل مع توقيعه باعتباره جزءاً من ذمته، لا مجرد حركة قلم في نهاية مذكرة.. هناك موظفون يحافظون على وظائفهم بالتوقيع؛ وهناك موظفون يحافظون على أنفسهم برفض التوقيع. ويحيى، في لحظة فارقة من حياته، اختار نفسه..
قصة “عمر أفندي” ليست كل سيرة يحيى حسين، لكنها أفضل مفتاح لفهمها.. كان عضواً في لجنة تقييم الشركة، واعترض على إجراءات البيع وقيمته، ثم حمل اعتراضه إلى النائب العام في 2006، وأصبح بلاغه ومستنداته لاحقاً جزءاً من أوراق القضية التي انتهت، بعد سنوات، إلى حكم القضاء الإداري ببطلان صفقة البيع وإعادة الشركة إلى الدولة. المسألة هنا ليست موقفاً أيديولوجياً من الخصخصة؛ هو نفسه كتب أن البيع أو الاحتفاظ بالقطاع العام “سياسات” يجوز الاختلاف حولها، وأن اعتراضه كان على بيع المال العام بما لا يحقق قيمته العادلة.. يحيى حسين لم يخترع النزاهة؛ ميزته أنه تعامل معها باعتبارها وصفاً وظيفياً لا فضيلة إضافية..
وهذا فارق مهم جداً في توضيح القضية.. فالفساد لا يعيش فقط لأن هناك فاسداً يطلب؛ يعيش أيضاً لأن حوله موظفين كثيرين يقولون: “وأنا مالي؟”.. أما الموظف العام الحقيقي فيفترض أن يسأل سؤالاً مزعجاً آخر: “وهذا مالي أنا أيضاً؛ لأنه مال الناس”.. وقد دفع يحيى ثمن اعتراضه مهنياً؛ وصف لاحقاً كيف أصبح “مستشاراً بلا استشارات ومحاضراً بلا محاضرات”، ثم رأى بعينيه حكماً يعيد “عمر أفندي” إلى الدولة.. وفي حفل تكريمه عند بلوغه الستين قال إنه يعتبر نفسه “سعيد الحظ” رغم ما دفعه، لأنه عاش حتى رأى نتيجة موقفه.. بعض الناس يقيسون النجاح بما جمعوه قبل المعاش؛ ويحيى بدا كأنه يقيسه بالأشياء التي استطاع ألا يخسر نفسه بسببها..
ثم جاء الإخوان إلى الحكم، ولم تتغير عنده الفكرة كثيراً.. كان يدير مركز إعداد القادة التابع لوزارة الاستثمار، وأتاح قاعاته لفعاليات المعارضة كما أتاحها لفعاليات قوى أخرى، وأصر على أن المؤسسة الحكومية ملك للمجتمع لا للحزب الحاكم. وفي يونيو 2013 أقاله وزير الاستثمار في ذلك الوقت، وقال يحيى إن استضافته للمعارضة كانت من أسباب القرار.. وهنا تظهر ميزة تستحق التوقف: المشكلة في يحيى حسين أنه لم يتعلم المهارة التي تطيل أعمار كثير من المسؤولين: أن تتغير المبادئ بتغير صاحب المكتب.. اعترض في زمن مبارك، ولم يصبح مطيعاً لأن الذي جاء بعده كان يرتدي شعار الثورة..
لكن الفضيلة نفسها تحمل مأزقاً سياسياً.. يحيى حسين نموذج جيد لما يمكن أن نسميه “ضمير الوظيفة العامة”؛ لكنه، مثل كثيرين من التيار المدني، لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل الرأسمال الأخلاقي إلى قوة سياسية.. النزاهة تصنع احتراماً، لكنها لا تصنع وحدها حزباً.. قول “لا” يحتاج شجاعة؛ أما تحويلها إلى “نعم” بديلة، برنامجاً وتنظيماً وقدرةً على الحكم، فيحتاج إلى شيىءآخر.. وربما كانت واحدة من مشكلات التيار المدني أنه أنجب رجالاً محترمين أكثر مما بنى مؤسسات محترمة قادرة على حملهم.. لدينا أحياناً وفرة في الضمير.. وعجز في الماكينة..
ومع ذلك، لا أكتب اليوم عن يحيى حسين لأصنع منه قديساً؛ فالسياسة لا تحتاج قديسين، والقديسون أنفسهم لا يحتاجون كتاب مقالات ليمنحوهم شهادات حسن سير وسلوك.. الرجل له آراؤه التي يجوز أن نختلف معها، وتقديراته التي يجوز نقدها، وخطابه السياسي الذي لا يلزم أحداً غيره.. وقد أحيل في قضيته الحالية إلى المحاكمة باتهامات أعلنتها النيابة، بينها التحريض ونشر أخبار وبيانات كاذبة والترويج لارتكاب جريمة إرهابية؛ وهي اتهامات منظورة أمام القضاء، وقد تم تأجيل المحاكمة في أغسطس الماضي إلى 28 أكتوبر 2026 لمرافعة الدفاع.. احترام الرجل لا يقتضي منا أن نصدر حكماً ببراءته، كما أن احترام الدولة لا يقتضي أن نغلق باب الرحمة حتى يصدر الحكم..
لكنَّ هناك شيئاً آخر لا يحتاج حكماً قضائياً لكي نراه: نحن أمام رجل تجاوز السبعين، أمضى جانباً من شيخوخته بين الحبس والمحاكمات، وسبق أن شعر بأعراض ذبحة صدرية يوم القبض عليه في يوليو 2024، بحسب ما نقلته “الشروق” عن محاميه، وسمحت له النيابة بتسلم أدويته.. وفي يونيو 2022 كان الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه قد أصدر القرار الجمهوري رقم 219 بالعفو عن عقوبة سابقة محكوم بها عليه.. ومن هنا لا تبدأ مناشدتي للرئيس من خصومة، بل من سابقة رحمة صنعها الرئيس نفسه..
فخامة الرئيس، أنتم لا تحتاجون إلى من يشرح لكم أن العفو لا ينتقص من هيبة الدولة؛ فقد مارستموه من قبل.. ولا تحتاجون إلى من يقنعكم بأن يحيى حسين يمكن أن يعود إلى بيته دون أن تنهار الجمهورية؛ فقد عاد إليه في 2022، وبقيت الدولة دولة، وبقي الرئيس رئيساً، ولم تسقط مؤسسة، ولم ينقص من نسرها ريشة، ولم تنقص من هيبة الدولة ذرة.. الدولة القوية لا تثبت قوتها فقط بقدرتها على العقاب؛ تثبتها أيضاً بقدرتها على الاستغناء عنه.. والتسامح ليس اعترافاً بأن الآخر كان على حق؛ أحياناً هو إعلان بأن الدولة أصبحت أكبر من حاجتها إلى مواصلة الخلاف معه..
ولذلك أتمنى ألا تكون المسألة هذه المرة “يحيى حسين عبد الهادي” فقط؛ أتمنى مبادرة أوسع، قبل ذكرى السادس من أكتوبر، تستخدم فيها الدولة كل الآليات القانونية والدستورية المتاحة لإعادة أكبر عدد ممكن من المحبوسين أو المحكوم عليهم في القضايا المرتبطة بالتعبير السياسي السلمي إلى بيوتهم، ممن لم تتلطخ أيديهم بدم، ولم يحملوا سلاحاً، ولم يمارسوا عنفاً.. في الأحكام النهائية توجد أبواب العفو التي يجيزها الدستور والقانون، وفي غيرها توجد مؤسسات الدولة المختصة وإجراءاتها القانونية.. المهم أن تأتي الرسالة من أعلى، منكم فخامة الرئيس، نريد أن نغلق ما نستطيع إغلاقه من دفاتر الخصام..
ولنسَمِّها، إن وافقتم فخامتكم، “مبادرة أكتوبر للتسامح الوطني.. لم ينتصر المصريون في أكتوبر1973 لأنهم كانوا نسخةً واحدة؛ انتصروا لأنهم عرفوا في لحظة الخطر أن الوطن أكبر من اختلافاتهم.. ونحن نعيش زمناً إقليمياً لا يحتاج إلى مزيد من الشقوق في الجدار الداخلي.. في الشدة لا تحتاج الدولة إلى أن يكون كل أبنائها متفقين معها؛ تحتاج إلى أن يكونوا جميعاً داخلها.. ومصر اليوم في شدتها الحالية تحتاج إلى المعارض كما تحتاج إلى المؤيد، وإلى الناقد كما تحتاج إلى المدافع عنها؛ فالبيت لا يصبح أقوى عندما يطرد أبناءه المختلفين، بل عندما يتسع لهم وهم مختلفون..
وقد يقول قائل: وماذا لو عاد من أُفرج عنه إلى المعارضة؟ والإجابة: فليعارض.. المعارضة السلمية ليست فاتورةً يجب سدادها للدولة بعد العفو.. لا ينبغي أن يكون ثمن الحرية صمتاً، ولا ثمن التسامح مديحاً.. يكفي أن يتعهد الجميع، سلطةً ومعارضةً، بأن تبقى الكلمة في مواجهة الكلمة، والسياسة في مواجهة السياسة، وأن يكون العنف خطاً أحمر لا يبرره غضب ولا اختلاف.. ويمكن لقيادات العمل المدني والحزبي أن تقدم تعهداً أخلاقياً وسياسياً واضحاً بحماية سلمية المجال العام ورفض كل تحريض على الدم.. نختلف تحت سقف الوطن، لا على سقف الوطن..
الرجل الكبير في السن لا يهدد دولة بحجم مصر عندما ينام في سريره.. والشاب الذي لم يحمل سلاحاً لا تصبح البلاد أكثر أمناً لأن أمه تنتظر عودته كل مساء.. والأسرة التي تستعيد ابنها لا تسأل عادةً عن فلسفة الدولة في العقاب؛ تتذكر فقط أن باباً فُتح، وأن شخصاً عاد.. لدينا ما يكفي من الخصومات السياسية؛ لا نحتاج إلى تحويل كل خصومة إلى سيرة سجين وأسرة تنتظر.. هناك عقوبات تحمي المجتمع، وهناك لحظات يصبح فيها إنهاء العقوبة هو الذي يحمي شيئاً آخر لا يقل قيمة: الثقة..
وأخص يحيى حسين عبد الهادي بالمناشدة لأن لسيرته معنى يتجاوز شخصه.. هذا رجل دخل الكلية الفنية العسكرية وخدم ضابطاً مهندساً، ثم عمل في أجهزة الدولة، وحمى، من وجهة نظره وبالمستندات التي قدمها، مالاً عاماً، واختلف مع مبارك، ثم اختلف مع الإخوان، ثم اختلف مع السلطة الحالية.. قد نختلف معه في كثير مما قاله؛ لكن الاختلاف معه لا يمحو ما قدمه من خدمة عامة.. من العدل أن يكون للإنسان رصيد عند وطنه، وليس فقط ملف عند سلطته.. وسابق الأعمال لا يمحو الخطأ إن ثبت، لكنه قد يفتح باباً واسعاً للرحمة..
فخامة الرئيس، لا أطلب منكم أن توافقوا يحيى حسين عبد الهادي على آرائه، ولا أن تطلبوا منه أن يوافقكم على آرائكم.. لا أطلب إعادة كتابة قضيته في مقال صحفي، ولا تجاوز القضاء، ولا منح الكاتب سلطة القاضي.. أطلب شيئاً أبسط وأكبر: أن تنتصر الدولة، في الحدود التي يسمح بها القانون، لفكرة أن التسامح أيضاً من أدوات الحكم.. سبق أن عفوتم عنه مرة، وكانت تلك لفتة استقبلها كثيرون باعتبارها باباً للأمل، وربما يكون أجمل ما يمكن أن تفعله السلطة بالباب الذي فتحته من قبل ألا تتركه يتحول إلى ذكرى..
وقبل أكتوبر، ليت هذا الباب يتسع: يعود الرجل الكبير إلى سريره، والشاب إلى أسرته، والكاتب إلى قلمه، والسياسي إلى حزبه، ويبقى لمن أخطأ في دم أو عنف حسابه أمام القانون.. العفو لا يجعل الدولة أصغر من مواطن؛ يجعله يشعر أن دولته أكبر من خصومتها معه.. وليس مطلوباً أن نحب بعضنا لكي نعيش معاً؛ المطلوب فقط أن نتذكر أن مصر لا تملك ترف إهدار أبنائها..
ويحيى حسين عبد الهادي، الذي بدأت حكايته العامة تقريباً بكلمة من حرفين: “لا”، ربما آن للدولة أن تجيبه بكلمة أخرى من ثلاثة حروف: “نعم”.. ارجع إلى بيتك… وليت “نعم” هذه لا تكون له وحده، لتكن لمصر كلها..
فخامة الرئيس: نؤيدكم، ونثق بكم، ونطمع في إصدار قرار العفو عن شيخ جليل اسمه “يحيى حسين عبد الهادي”..
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها وشرطتها وقضاءها، وأعان رئيسها الوطني المخلص على اتخاذ ما فيه مصلحة العباد والبلاد.. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى