
ابتهالات خيال
درّبتُ الخيالَ كثيرًا
على ملامحكِ،
حتى صار يرسمكِ
كلما أغمضتُ عيني.
علّمتهُ صوتكِ،
طريقةَ التفاتتكِ،
ظلَّ يدكِ حين تمرّين
على الأشياء
كأنكِ تمنحينها سببًا آخر
لأن تكون.
وكنتُ أتركُ لكِ الضوء.
كلَّ مساء
كان الضوءُ يتهيّأ لوصولكِ،
يمسحُ الغبارَ عن كتفيه،
ويرفعُ قبعته
حين يسمعُ وقعَ خطىً
لا وجودَ لها.
حتى المرايا
بدأت تتواطأ معي؛
تتركُ إلى جواري
مساحةً لوجهكِ.
والليل
كان أكثرَ سذاجةً مني،
يضعُ نصفَهُ على الوسادة
وينتظرُ أن تضعي نصفكِ الآخر.
كنتُ أقول:
ستأتين.
وكان الخيالُ يصفّق
كلما صدّقته.
لكن…
ذاتَ صباح،
فتحتُ النافذة
فدخلَ الضوءُ وحده.
لا أنتِ.
فتّشتُ في الغرفة
عن أثرٍ واحد
يمكن أن يكذبَ عليّ.
عن خصلةِ شعر،
عن عطرٍ عالقٍ في الستارة،
عن انحناءةٍ غريبةٍ في الوسادة،
عن شيءٍ صغير
يقول إنكِ كنتِ هنا.
لم أجد شيئًا.
وجدتُ فقط
رائحةَ الفراغ.
وكانت الصدمة
أنني عرفتها.
لم تكن رائحةَ غيابكِ…
كانت رائحةَ
أنني كنتُ وحدي
طوال الوقت.
وأن كلَّ ما أحببتُه فيكِ
كان يحدثُ داخل رأسي.
حتى أنتِ…
لم تكوني امرأةً غابت عني،
كنتِ امرأةً
اخترعها قلبي
كي لا يكتشف
أنه لا ينتظر أحدًا.
عندها
ضحك الضوء.
ولأول مرة
لم يرفع قبعته لكِ.
رفعها لي.
كأنه يعتذر
عن كل تلك السنوات
التي أقنعتني فيها
أن للفراغ
وجهًا يشبهكِ.