
الذين مشوا خفافاً فوق زجاج الأيامِ،
لم يتركوا دماً على العتباتِ،
تركوا فقط دهشة السائر الذي تمضغ الأرض
خطواته دون أن تشب .
أنا الآن أبعد من رفة جفنٍ عن مساقط رأسي،
أجلس في مكانٍ لا يحفظ الأسماء الثنائيةَ
و لا يعنيه كم نفقاً حفرت الحسرة
في جدار العمرِ.
أتأمل هذا الفراغ الأنيق الخالي من الغبار
و الذكرياتِ،
الفراغ الذي لم تمر به جنازةٌ واحدةٌ،
و لم يبكِ فيه صبي لأن طائرته الورقية علقت
بأسلاك الكهرباءِ.
كيف للمرء أن يكون شاهداً
حين تكون الشهادة نفسها محكمة بلا قضاةٍ؟
أرمي النظر نحو الأفق الساكنِ ،
هذا الأفق المصنوع بدقةٍ كأنه جدار مستعارٌ
و أعرف أن الخدعة الكبرى كانت في نقاء
البداياتِ.
كنا نظن أن الطريق يطول كي نصلَ،
و لم ندرك أن الوصول هو
نهاية الطريق الذي تمنينا ألا ينتهيّ .
الآن…
لا خوذة لدي لأخلعها
و لا كرسي لأخاف الرحيل عنه.
أنا رجل يقف في المنتصف تماماً،
بين رعشة الماء الأولى قبل أن يمسه الطينُ
و بين جفاف النبع الذي نسي نشيده القديمَ.
لا أريد أن أشرح للعابرين كيف نجوتُ،
فالنجاة في زمن المحو غموض يشبه الإثمَ.
سأترك هذه الكلمات باردةً بلا زوايا حادةٍ،
و بلا روائح تذكر بالمطبخ أو بالمقابرِ.
سأدعها طافية كأريش سقط
من جناح طائر مجهولٍ،
طائر مر ذات ليلة فوق سقف العالمِ
و لم يلتفت إلى الوراء… ليرى كم بيتاً كان
يحترق في الظلامِ.
سأمضي الآنَ …
دون أن أتركَ خلفي ظلاً يتكئُ على حائطٍ
أو صوتاً يعلقُ في ذاكرةِ الصدى .
سأغلقُ البابَ على هدوءِ هذا العدمِ الأنيقِ
و أتركُ للعالمِ رفاهية البحثِ عن المعنى
فالقصيدةُ الأجملُ هي
تلكَ التي عبرتْ خفيفةً كالهواءِ
و لم تنتبهْ لمرورِها الشوارعُ
و لا العابرونَ الذينَ أرهقهمُ السيرُ في دماءِ
الحقيقةِ.
*
اللوحة من أعمال رينيه مارغريت