كتاب وشعراء

غامض كما يليق بناجٍ ••• زكريا شيخ أحمد / سوريا

الذين مشوا خفافاً فوق زجاج الأيامِ،

لم يتركوا دماً على العتباتِ،

‎تركوا فقط دهشة السائر الذي تمضغ الأرض

خطواته دون أن تشب .

أنا الآن أبعد من رفة جفنٍ عن مساقط رأسي،

أجلس في مكانٍ لا يحفظ الأسماء الثنائيةَ

و لا يعنيه كم نفقاً حفرت الحسرة

في جدار العمرِ.

أتأمل هذا الفراغ الأنيق الخالي من الغبار

و الذكرياتِ،

الفراغ الذي لم تمر به جنازةٌ واحدةٌ،

و لم يبكِ فيه صبي لأن طائرته الورقية علقت

بأسلاك الكهرباءِ.

كيف للمرء أن يكون شاهداً

‎حين تكون الشهادة نفسها محكمة بلا قضاةٍ؟

أرمي النظر نحو الأفق الساكنِ ،

هذا الأفق المصنوع بدقةٍ كأنه جدار مستعارٌ

و أعرف أن الخدعة الكبرى كانت في نقاء

البداياتِ.

كنا نظن أن الطريق يطول كي نصلَ،

و لم ندرك أن الوصول هو

نهاية الطريق الذي تمنينا ألا ينتهيّ .

الآن…

لا خوذة لدي لأخلعها

و لا كرسي لأخاف الرحيل عنه.

أنا رجل يقف في المنتصف تماماً،

بين رعشة الماء الأولى قبل أن يمسه الطينُ

و بين جفاف النبع الذي نسي نشيده القديمَ.

لا أريد أن أشرح للعابرين كيف نجوتُ،

فالنجاة في زمن المحو غموض يشبه الإثمَ.

سأترك هذه الكلمات باردةً بلا زوايا حادةٍ،

و بلا روائح تذكر بالمطبخ أو بالمقابرِ.

‎سأدعها طافية كأريش سقط

من جناح طائر مجهولٍ،

طائر مر ذات ليلة فوق سقف العالمِ

‎و لم يلتفت إلى الوراء… ليرى كم بيتاً كان

يحترق في الظلامِ.

سأمضي الآنَ …

دون أن أتركَ خلفي ظلاً يتكئُ على حائطٍ

أو صوتاً يعلقُ في ذاكرةِ الصدى .

سأغلقُ البابَ على هدوءِ هذا العدمِ الأنيقِ

و أتركُ للعالمِ رفاهية البحثِ عن المعنى

فالقصيدةُ الأجملُ هي

تلكَ التي عبرتْ خفيفةً كالهواءِ

و لم تنتبهْ لمرورِها الشوارعُ

و لا العابرونَ الذينَ أرهقهمُ السيرُ في دماءِ

الحقيقةِ.

*

اللوحة من أعمال رينيه مارغريت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى