كتاب وشعراء

حنين.. بقلم الشاعر التونسي: الحبيب المبروك الزيطاري

طالَ البِعادُ وَحالتِ الأَسبابُ
وسرى الجوى فَابتَلَّتِ الأَهدابُ

وَحدي على أَعتَابِ عُمْرٍ راحلٍ
أَشكو سُهادي وَالرِّفاقُ غِيابُ

ويجولُ فِكري في رُبوعِ طُفولَتِي
فَيُنِيرُ قلْبِي وَالمُحيطُ ضَبابُ

فَيَعودُ ذِهني لِلوراءِ مُفتِّشا
عن مَشْهدٍ لم تَمْحُهُ الأَحقابُ

فَأَرى خُطايَ على الرَّصيفِ تَقُودُنِي
ورفِيقُ دربي رِيشةٌ وكِتَابُ

أَسعَى لِأَرسُمَ طِفلَةً شَرقِيَّةً
أَحْبَبْتُها، هل في الغرام عِتابُ؟

لَم تدْرِ أَنِّي في الخَفاءِ أُحبُّهَا
أَفَلا يُرَى في الأَعْيُنِ الإِعْجَابُ؟

فَإِذا التقَيْنا صُدْفةً فَكأَنَّنِي
حَرْفٌ خَفِيٌّ ما لَهُ إِعْرَابُ

أَين الرِّفاقُ وَأَين من أَحْبَبْتُهُمْ
فَحَياتُنا أقمارُهَا الأَصْحابُ

يَزْهُو عَمُودُ النّورِ فَوْقَ جِدارِنَا
تَحْلو لَنا فِي ضوْئِهِ الأَلعَابُ

نَجْرِي بِلا سَببٍ وَنَقْفِزُ عالِياً
وَنَعودُ هَلْكَى وَالكُفوفُ تُرابُ

يا دارَنا يا مَهدَ أَحْلامِي الَّتِي
رَحَلتْ مَعِي وَالذِّكْرياتُ عِذَابُ

هَلْ قَدْ سَكَنْتُكِ أَمْ سَكَنْتِ بِداخِلِي؟
غُرَفٌ بِصَدْرِي صُنْتُهَا وَقِبَابُ

مَرْأَى أَبي راضٍ وَوَجْهُهُ بَاسِمٌ
وَالكَفُّ رِيحٌ مُرْسَلٌ يَنْسابُ

وَعُيُونُ أُمّي وَالفِناءُ وَطابَتِي
وَالسَّطْلُ وَالكُرْسِيُّ وَالقَبْقابُ

والإِخْوَةُ العَشْرُ الَّذِينَ تركتُهُمْ
وَمِزاحُهُمْ وَالسَّطحُ وَالسِّردابُ

هَلْ غَنَّتِ الأَطيارُ في بُسْتانِنا؟
هَلْ عادَ يَعْزِفُ لَحْنَهُ الزِّرْيابُ؟

هَل مالَتِ الأَشْجارُ عِنْدَ غِنائِهِ؟
هَلْ أَثْمَرَ الرُّمَّانُ وَالعنَّابُ؟

هَلْ فاحَتِ الوَرْداتُ فِي أَغْصانِهَا
هَلْ أَوْرَقَ الزَّيْتونُ وَاللَّبْلابُ

أَشْتاقُ لِلْجِيرانِ كم أَشْتاقُهُمْ
لَمْ يَمْحُ ذِكْرَهُمُ اللَّذِيذ غِيابُ

وَالصَّيفُ وَالأَنْسامُ وَالدَّارُ الَّتِي
في صَحنهَا يَتَسامَرُ الأَحبابُ

وأُخاطِبُ الزَّمَنَ الكَئِيبَ مُسائِلاً
فَكَأَنَّ صَمتَ السّائِلِ اسْتِجْوابُ

فَهَلِ الدِّيارُ تَحنُّ مِثلَ قُلوبِنَا.
هَلْ في زَوَاياها لَنا تَرْحابُ؟

هَلْ تَفْرَحُ الجُدْرانُ لَو لَامَسْتُهَا؟
هَلْ تَرْقُصُ الأَسْتارُ وَالأَثْوَابُ؟

هَلْ كُلُّ مَا نَهْوَى يَعودُ كَعهْدِهِ؟
هَلْ يا تُرَى تَتَيَسَّرُ الأَسْبابُ؟

تَبْقَى الأَمَانِي وَالرَّجاءُ مَلاذنَا
فَبِدُونهِ وَجهُ الحَياةِ يَبابُ

يا رَبِّ يَسِّرْ لِلْغَريبِ مَآبَهُ
فَدُعاءُ مَنْ سَئِمَ الغِيابَ يُجابُ

شعر: الحبيب المبروك الزيطاري
5.9.2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى