قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ «صرخة وطن» للشاعرةِ القديرةِ “سمر الديك”.. بقلم الناقدة: ليلى صليبي

القراءةُ النقديةُ:
ترتكزُ قصيدةُ «صرخة وطن» على ثنائيةٍ وجدانيةٍ عميقةٍ: الوطنُ باعتبارِه أرضاً، والوطنُ بوصفِه ذاكرةً تسكنُ القلبَ.
ومنذُ العنوانِ تضعُنا الشاعرةُ أمامَ وطنٍ لا يكتفي بالحضورِ الصامتِ، بل يتحوّلُ إلى كائنٍ حيٍّ يصرخُ وينادي ويستدعي أبناءَه، فتغدو القصيدةُ حواراً بين ذاتٍ مغتربةٍ ووطنٍ جريحٍ.
يُفتتَحُ النصُّ بصورةٍ مكثّفةٍ:
«بلادي، إذا ما هاجَ في الصدرِ نزفُها
تهاوتْ جبالُ الصبرِ حُمّى التوقّدِ»
«فالنزفُ» هنا ليس جرحاً فرديَّاً، وإنّما استعارةٌ لجراحِ الوطنِ المتراكمةِ، في حينٍ تأتي «جبال الصبر» كونُها رمزاً لاحتمالٍ طويلٍ بلغَ ذروةَ الانهيارِ. وفي هذا الانتقالِ من الجبالِ إلى النزفِ والحُمّى تتجسّدُ مأساةُ الوطنِ في صورٍ جسديةٍ وبشريةٍ كأنَّ البلادَ جسدٌ ينزفُ، والصبر جسد آخر لم يعدْ قادراً على الاحتمالِ.
وتتنامى في القصيدةِ شخصنةُ الوطنِ؛ فهو الذي يصرخُ، وينادي، وله عينان وحكايةٌ وذاكرةٌ. تقولُ الشاعرةُ:
«وأسمعُ في ليلِ الفراقِ صراخَها
ينادي: أمازالَ الفتى ليَ يفتدي؟»
إنَّ الوطنَ هنا يتحوّلُ إلى صوتِ أمٍّّ تستدعي ابنَها الغائبَ. ولذلك يبدو سؤالُ «أما زال الفتى لي يفتدي؟» أكثرَ من استفهامٍ؛ إنه عتابٌ ممزوجٌ بالرجاءِ، ويؤسّسُ منذُ البدايةِ لعلاقةٍ وجدانيةٍ تقومُ على الوفاءِ والانتماءِ.
ثمَّ تأتي الإجابةُ:
«فأصرخُ: يا أرضي، لئن طالَ بُعدُنا
فقلبي لبابِ الدارِ يرجعُ مهتدي»
وهنا تظهرُ المفارقةُ الجميلةُ بين بُعدِ الجسدِ وقربِ القلبِ. فالاغترابُ قد يفصلُ الإنسانَ عن المكانِ، لكنّه عاجزٌ عن اقتلاعِ المكانِ من داخلِه. ولفظةُ «باب الدار» تحديداً تستعيدُ الوطنَ من مفهومِه المجرّدِ إلى صورتِه الحميمةِ: البيت، العتبة، الذاكرة، والأمان الأول.
وتتكرّرُ مفرداتُ النارِ والوهجِ والدمِ والدمعِ على امتدادِ النصِّ، لتصنعَ شبكةً رمزيةً متماسكةً؛ فالنارُ التي يمكنُ أن تكونَ رمزًا للحربِ والألمِ تتحوّلُ في مواضعَ أخرى إلى وهجِ المحبةِ… والدمُ لا يعودُ مجرّدَ علامةِ موتٍ، بل يصبحُ أثراً تاريخيَّاً موصولاً بالأجدادِ. وهكذا تتداخلُ في القصيدةِ نارُ المأساةِ مع نارِ الانتماءِ.
ومن أجملِ التحولاتِ الدلاليةِ قولُ الشاعرةِ:
«وألمحُ في عينيْ بلادي حكايةً
تنادينيَ: ارجعْ، لستَ عني بمُبعدِ»
فالبلادُ تمتلكُ «عينين» تحفظان الحكايةَ، والحكايةُ بدورها تتحوّلُ إلى نداءٍ. إنّها تقنيةٌ شعريّةٌ تجعلُ الوطنَ ذاتاً عارفةً بغيابِ ابنِها، كما تمنحُ الذاكرةُ وظيفةَ التواصلِ بين المغتربِ وأرضِه.
أمّا مقطعُ:
«فإن قال قومٌ: من يقيمُ بأرضهِ؟
أقولُ: الذي يحيا بقلبٍ موقدِ»
فهو يمثّلُ العتبةَ الفكريةَ في القصيدةِ؛ إذ تنتقلُ الشاعرةُ من التعبيرِ عن الحنينِ إلى تعريفِ الانتماءِ. فالإقامةُ الحقيقيّةُ ليستْ إقامةَ الجسدِ وحدِه، وإنّما إقامةُ الروحِ. وقد يكونُ الإنسانُ بعيداً جغرافياً، لكنّه أكثر التصاقاً بوطنِه من مقيمٍ فقد صلتْه الوجدانية به.
وتبلغُ القصيدةُ ذروةَ الوفاءِ في نهايتِها:
«وإن متُّ، فاجمعي رمادي لأرضِهِ
ففي تُربِهِ يحيا رمادُ الموحّدِ»
إنها عودةٌ إلى الترابِ بعد رحلةِ الاغترابِ. فحتى الموتُ لا يستطيعُ أن يلغيَ علاقةَ الذاتِ بالوطنِ؛ بل يصبحُ الموتُ نفسُه آخرَ أشكالِ العودةِ. والرمادُ هنا ليس نهايةً مطلقةً، وإنّما مادةٌ للامتزاجِ بالأرضِ واستمرارِ الانتماءِ فيها.
فنيَّاً، تعتمدُ الشاعرةُ لغةً فصيحةً ذاتَ معجمٍ وجدانيٍّ واضحٍ، وتستثمرُ الاستعارةَ والتشخيصَ والتكرارَ لبناءِ نبرةٍ إنشاديةٍ تتناسبُ مع موضوعِ القصيدةِ. كما أنَّ تكرارَ ألفاظِ النداءِ والعودةِ والأرضِ والدمِ والدارِ يمنحُ النصَّ وحدةً شعوريةً واضحةً.
ومع ذلك، فإنَّ بعضَ الصورِ تبدو أحياناً أقربَ إلى المعجمِ الشعري المألوفِ في قصائدِ الوطنِ والاغترابِ، وكانَ يمكنُ لبعضِ المواضعِ أن تذهبَ نحو صورةٍ أكثر َخصوصيةً ومفاجأةً تمنحُ التجربةَ بصمتَها الفرديةَ. كما أنَّ بعضَ التراكيبِ تحتاجُ إلى مراجعةٍ لغويةٍ وعروضيةٍ دقيقةٍ حتى يظلَّ الإيقاعُ منسجماً مع البناءِ العمودي للقصيدةِ.
في المحصلةِ، «صرخة وطن» قصيدةُ وفاءٍ وحنينٍ، لكنّها لا تقفُ عند حدودِ الشكوى من الغربةِ؛ إنّها تجعلُ الوطنَ كائناً حيَّاً له صوتٌ وذاكرةٌ وعيونٌ، وتجعلُ العودةَ إليه قدراً روحيَّاً لا تسقطُه المسافاتُ ولا حتى الموتُ. إنّها قصيدةٌ تقولُ، في جوهرِها، إنَّ الوطنَ قد يُغادرُه الإنسانُ بجسدِه، لكنّه إذا ظلَّ حيَّاً في قلبِه، فلن يكونَ بعيداً عنه أبداً
الشاعرةُ القديرةُ” سمر الديك،”
كلُّ الشكرِ والتقديرِ لهذا النصِّ الوطني النابضِ بالوجعِ والانتماءِ، «صرخة وطن»؛ قصيدةٌ تحملُ في أبياتِها نبضَ الأرضِ ووجعَ الإنسانِ، وتحوّلُ الحزنَ على الوطنِ إلى صرخةٍ شعريّةٍ صادقةٍ ومؤثّرةٍ.
دامَ حرفُكِ مشبعاً بالصدقِ، ودامَ قلمكِ وفيَّاً لقضايا الوطنِ والإنسانِ، ودمتِ شاعرةً تزرعُ في القصيدةِ ذاكرةً نابضةً بالأملِ رغمَ قسوةِ الوجعِ.
لكِ خالصُ الإعجابِ والتقديرِ، ولقلمِكِ مزيداً من التّألّقِ والإبداعِ.
القصيدةُ:
صرخةُ وطن
بلادي ، إِذا ما هاجَ في الصَّدرِ نَزْفُهُا
تَهاوَتْ جِبالُ الصَّبرِ حُمَّى التَوَقُّدِ
وَأَسمَعُ في لَيلِ الفِراقِ صَراخَها
يُنادي: أَما زالَ الفَتى لِيَ يَفتَدي؟
فَأَصرُخُ: يا أَرضي، لَئِن طالَ بُعدُنا
فَقَلبي لِبابِ الدارِ يَرجِعُ مُهتَدِ
وَما أَطفَأَتْ نيرانُ بُعدي مَحَبَّتي
وَلا أَسكَتَتْ شَوقي رِياحُ المُبَعَّدِ
وَأَلمَحُ في عَينيْ بلادي حِكايةً
تُنادينيَ: اِرجِعْ، لَستَ عَني بِمُبعَدِ
فَإِن قالَ قَومٌ: مَن يُقيمُ بِأَرضِهِ؟
أقولُ: الَّذي يَحيا بِقَلبٍ مُوَقِّدِ
وَإِن تَطلُبي آثارَ خطوي بمَوطِني
تُلاقي دَمَ الأَجدادِ في كُلِّ مَرصَدِ
وَأُبصرُ في أَطيافِهِا وهْجَ جميلةٍ
تُنادي: بُنَيَّ، لا تَخَفْ، عُدْ لِمَرصَدِي
فَأَبكي، كَأَنَّ الدَّمعَ يَعرِفُ دَربَهُ
إِلى تُربِ مَن أَحيا دموعي ومَول