رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب:فشلت الانتفاضة عندما فشل الحب

في الظاهر قد لا تتضح علاقة بين الانتفاضة والحب لكن العلاقة عميقة لان الحب هو انتفاضة في وجه الكراهية والبشاعة والموت الرخيص ولا يمكن تغيير النظام السياسي بقلوب فظة وغليظة وعقول ثأرية منتقمة تعيد انتاج النظام .
هذا ما تأكده رواية بيار دوشين” الموت، حباً” التي هزت فرنسا واعادت التذكير بقيم روحية منسية في حضارة مادية وكما ان الحرية تستحق التضحية كذلك الحب.
كيف استطاع الروائي بيار دوشين في روايته: الموت، حباّ، انتزاع نفسه من صراع سياسي عنيف هز فرنسا في آيار 1968 ليدخل منطقة تفكير مختلفة ومن مدخل هادئ بلا ضجيج؟
الصراع الذي أجبر الرئيس ديغول على الاستقالة هو الذي قاد جيش التحرير ودخل باريس مرفوع الرأس عشية التحرير ورفض الانحناء والانبطاح عندما طلبوا منه ذلك عندما كان بقايا الغستابو البوليس السري النازي يطلق النار من سطوح بنايات باريس على المحتفلين في الشوارع. كان ديغول على وشك الهروب الى المانيا تلك الساعات وباريس تحترق.
الولاء ليس صحكاً مفتوحاً للحاكم والنضال من أجل وطن لا يُرتب إمتيازات وقداسة ومكانة ومن الطبيعي أن يدافع الطائر عن عشه كما يدافع الانسان عن وطنه وارضه وحريته وكرامته،
كما النملة تعتز بثقب الأرض ومن الطبيعي أن تزهر شجرة التفاح
وتولد الوردة من قلب الحجر دون هتافات وتقديس وجوائز والقاب وتراتبية وامتيازات.
لم يشفع لديغول دخول باريس محرراً وقائداً من جيل ولد بعد التحرير،
وعليه أن يرحل: إنتهى زمن التحرير وجاء زمن تغيير البداهات والأفكار والقناعات التي أسقطت باريس قبل النازية.
كانت أيام الانتفاضة أصعب أيام الجنرال كما يؤكد صديقه الحميم الروائي ووزير ثقافته أندريه مالرو في كتابه” سقوط السنديان”.
مظاهرات صاخبة قادها الطلاب والعمال في حدث صدم فلاسفة فرنسا والحسابات التقليدية وشكل لغزاً، ثم التحقوا بالانتفاضة كسارتر وسيمون دي بوفوار وجيل دولوز والمخرج الشهير جان لوك جودار أبرز مخرجي تيار السينما الجديدة.
طالب سارتر الرئيس ديغول النزول الى الشارع في محاكمة علنية معه،
وكان جواب ديغول المثقف: ” لن أكرر مأساة فولتير”
الذي حوكم وسجن في سجن الباستيل بسبب أفكاره في التمرد على نظم الحكم وألهم الثورة الفرنسية والأمريكية.
كانت شوارع باريس تحترق، وبدا ان باريس على وشك حرب اهلية حتى تم التحضير لنقل ديغول سرا الى المانيا كما كشف الفيلسوف آلان باديو احد شهود الثورة في كتابه: ” لغز مايو 68: لنا الحق في التمرد”.
في هذا الجو الصاخب يأخذنا بيار دوشين الى الجوانب الخلفية من صخب الشوارع، الى المنطقة الرمادية المعتمة اللامفكر فيها، وهذا بالضبط دور الأدب والفن.
كانت الانتفاضة تشتعل تطالب بالتغيير وفي لهيب هذا الصراع تقع المدرسة دانيال الثلاثينية في حب أحد طلابها جيرار الذي يعتبر قاصراً في نظر القانون والحب لا يعرف الاختزال والتصنيفات والاعمار والقوالب،
لأنه ليس خياراً عقلياً بل خيارات قلب،
لكن لا دانيال ولا جيرار يأبهون بالحواجز ويقرران المضي في علاقتهما حتى النهاية في صخب هتافات الثورة والتغيير وقمع الشرطة والحرائق.
لكن ما حدث هو وقوف الجميع ضدهما خدام النظام والشرطة والقضاة وأطباء النفس ودعاة الانتفاضة ومن بينهم والد جيرار، ورغم انهما اختارا المضي حتى النهاية التي انتهت بالموت تحت العلاجات الاجبارية كمريضين،
لكن الرواية تمضي أبعد من ذلك في تفكيك مفهوم الثورة والعدالة والعاطفة عندما تفتح تحت الرايات الحمراء والسوداء قلب دانيال وجيرار،
لكن كان يجب اعادتهما الى الحسابات الصغيرة والضوابط، من طرفي الصراع في الشوارع.
كان يجب أن يعودا الى” العقل” العام، والخروج من” الفضيحة” العاطفية،
وليست فضيحة النظام . في موازاة رائعة ينهار ربيع الحرية وتخفق الانتفاضة وفي الجانب الآخر يموت العاشقان، لكن لن تموت الحكاية.
هذا الإخفاق يُذكر بقول تولستوي الذي أُعجب به البير كامو ووجدوه في مفكرة خاصة له بعد موته:
” الخطأ الفادح الذي إرتكبه ثوار الباستيل في الثورة الفرنسية،
هو إفتقارهم الى الحب”.
القلوب الفظة العنيفة لا تحقق حلم التغيير، بل ستؤدي الى إعادة إنتاج النظام. هذه الرواية التي تحولت الى فيلم طاف العالم المثال الأدق عن كيف يمكن الدخول الى تاريخ شعب، حتى في لحظة غليانه وصراعاته،
من خلال قصة حب هي العمود الفقري الذي تتأسس عليه الرواية،
وليس المداخل السياسية والشعارات الكبيرة التي تحول العمل الادبي الى خطاب مباشر وتفسده. وكما قال الروائي ستاندال في” صومعة بورما: “السياسة في الرواية كطلقة مسدس في حفل موسيقي”:
إختزال الانسان كمخلوق سياسي فقط بلا مشاعر ولا غرائز ولا عواطف ولا أخطاء هو تسطيح وتبسيط لجوهر الانسان العميق والمكون من طبقات أكثر تعقيداً من الكون. اختزال الانسان في ثنائيات الابيض والاسود والجيد والسيئ هي خاصية العقل البدائي المتخلف السائد حتى اليوم لان الانسان طبقات وليس سطحاً كما يلوح في الظاهر,. جبل جليد غاطس لا يظهر منه غير الرأس.
تمكن بيار دوشين في هذه الرواية من ادانة الجميع، دون أن يقول ذلك مباشرة،
وضع القراء أمام مستويات من الصراع وأمام حقائق يهربون منها،
لذلك يوم صدرت رواية الموت حباً، إعتبرها الفرنسيون علامة على أن الضمير الفرنسي حي ويقظ ولم تخنقه حضارة مادية،
لأن القلب البشري يخفق بالحب وسط عالم الكراهية والضغائن،
والعاشقان خارج التصنيفات والحسابات من دعاة الثورة ومن مؤيدي النظام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى