كتاب وشعراء

قراءة انطباعية في قصيدة: سكرةُ المستحيل للشاعرة المصرية: مروة عبد الفتاح.. بقلم الأديبة: نجاح الدروبي

سكرةُ المستحيل

يا حبيبي
حملتُ قلبي المثقلَ وهربتُ منِّي إليكَ،
لأوقدَ شمعةً على عتبةِ شفتيكَ النائمتين،
أفتِّشُ عن عينيكَ النازفتين،
وهما تستندانِ كتفَ المستحيلِ الساكن.

​أطبعُ على خدِّ الخيال قبلةً جارحةً
بلهفة تائهٍ في خمرٍ ورغبة،
أو ظمآن يرتشفُ طيفاً ظنَّاً أنَّه الغمام.

كلُّ ما مرَّ من عُمرِنا ملوَّنٌ بالرمادِ
الساعاتُ ترقُصُ على جثثِ الوعودِ،
والأشياءُ تذوبُ في عتمةِ البُعد.

​أضعكَ هناكَ،
فوق تلَّةِ مخاوفي الضارية،
وتلك الحبالِ المقطوعةِ
التي تشدُّني إلى حافَّةِ الحياة.
تزولُ المدنُ، وتتداعى الجدرانُ،
تحترقُ أقنعة اليقين على صخرةِ العابرين،

​إلا نحن..
سرابٌ أنقذه اللهاث،
نصنعُ من وهمِنا كوناً،
نحيا فيه.. ونكذبُ العالمَ، وننتصر

كلمات: مروة عبد الفتّاح

القراءة الانطباعية
نص إبداعي يتميَّز بخيال خصب وقدرة عالية على تجسيد المعاني المجرَّدة، وكأنَّ الصور لوحات فنية مبتكرة بين الشاعرة والملهم للانتصار على الواقع المرير.. مثل:”تستندان كتف المستحيل الساكن”: تجسيد رائع للمستحيل وكأنَّه شخص له كتف، ما يعكس عمق الأزمة العاطفية.
كذلك صورة”الساعات ترقص على جثث الوعود”: صورة سوداوية لكنها بالغة التأثير والجمال، تعبر عن خيبة الأمل ومرور الوقت القاسي.
ولعلَّ أجمل الصور على الإطلاق قول الشاعرة: “سرابٌ أنقذه اللهاث”، حيث تحوِّل السراب غير الموجود إلى كائن حي يتمُّ إنقاذه بالسعي والتمسُّك به.
لغة القصيدة قوية وفصيحة، تجمع بين الرومانسية المفرطة والشجن الوجودي “الرماد، الجثث، المخاوف، السراب، أقنعة اليقين”. تتسم بالتضاد والتناغم مثل الثنائية الرائعة بين الموت والحياة، والوهم واليقين، والظمأ والغمام، ما يمنح النص عمقاً فلسفياً ووجودياً يتجاوز مجرد قصيدة حبٍّ عادية.
كما اعتمدت الشاعرة المبدعة مروة عبد الفتاح على الموسيقى الداخلية، الناتجة عن اختيار الحروف المتجانسة والمشحونة بتدفُّق المشاعر، بالإضافة إلى قوافٍ داخلية غير منتظمة لكنها مريحة للأذن وتخدم المعنى (إليك، شفتيك، النائمتين، النازفتين/ الرغبة، الغمام/ البعد، الوعود).
كذلك تنتقل بذكاء من المقدمة: “اللجوء للحبيب والهرب من الذات” إلى الوسط: “الغرق في المعاناة، وتلاشي الزمن (الرماد، جثث الوعود)، وانهيار العالم المحيط (تزول المدن). إلى الخاتمة: الانتصار بالوهم، في بناء درامي ساحر وشيِّق.

بقلم: نجاح الدروبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى