نرجسية النتنياهو في شهادة عشيقته .. ورمزية “الشريط الساخن” في فهم استراتيجيته السياسية

كتب:هاني الكنيسي
يحتدم المشهد السياسي إسرائيل استعدادًا لانتخابات 27 أكتوبر، ويتقدم رئيس الأركان السابق ‘غادي إيزنكوت’ وحزبه “يشَر”، في استطلاعات الأيام الأخيرة، على رئيس الوزراء النتنياهو وحزب الليكود.
صحيح أن أحدث استطلاع للقناة 13 العبرية وضع المعسكرين عند 53 مقعدًا لكل منهما، لكن يبدو أن ‘بيبي’ لم يعد “ملك إسرائيل” المتوج، وأنه سيحتاج لإحدى “مفاجآته” كي ينقذ ائتلافه اليميني الديني المتطرف.
وفي هذه اللحظة الانتخابية الحرجة، تبرز أهمية شهادة “عشيقته” عن شخصية من يعتقد دائماً أنه “أذكى من الآخرين، ومكانه الطبيعي فوق الجميع”.
بعد 33 عامًا من الصمت، تتحدث ‘روث بار’ Ruth Bar، مستشارة النتنياهو الاستراتيجية السابقة، للمرة الأولى علنًا عن الرجل الذي عملت معه في بدايات صعوده السياسي في الثمانينيات، وارتبط اسمها به في سياق “فضيحة” إعلامية مدوية في التسعينات، قبل أن تتوارى هي عن الأنظار فجأة، ويشق هو طريقه إلى قمة السلطة ويتربع عليها لأكثر من عقدين.
شهادة ‘بار’ عن “نرجسية” النتنياهو، جاءت في مقابلة مع ‘بن كاسبيت’ نشرتها صحيفة ‘معاريف’، في سياق الترويج لكتابها الجديد “المخ تحت التأثير” Brain Under the Influence الذي تقول إنه خلاصة سنوات من البحث في كيفية التأثير في الدماغ وآليات اتخاذ القرار، مع تحليل لمعظم الحملات الانتخابية الإسرائيلية خلال العقود الماضية.
ومن هنا تبدأ القصة بطريقة “الفلاش باك”.
ما أن عاد النتنياهو إلى إسرائيل من عمله مندوبا في الأمم المتحدة عام 1989، حتى شرع في شق طريقه داخل حزب الليكود سعياً للسلطة. وقتها تولت الباحثة النفسية الشابة ‘روث بار’ مهمة متابعة ظهوره التلفزيوني وتحليل أدائه وتقديم النصائح “الإعلامية” له. وسرعان ما أصبحت “مستشارته الاستراتيجية” التي تجري له استطلاعات رأي ودراسات، وترافقه في الفعاليات الجماهيرية، فيما كان “بيبي” يبني حوله ما سمّته “الغواصة” أي دائرة صغيرة وسرية من المستشارين المقربين، كان من بينهم ‘إيلي أراد’ و’أفيغدور ليبرمان’ وآخرون.
كان النتانياهو في تلك المرحلة يصنع نفسه سياسياً. وكانت ‘بار’ جزءاً أساسياً من الفريق الذي صورته في ذهن الناخب الإسرائيلي وأمام الكاميرا. لكن ما بقي في ذاكرتها كانت خبايا شخصيته المريضة.
فتقول “كان شعوره المفرط بالتفوق مخيفاً. كان يصف جميع من حوله بأنهم مجرد موظفين، وكنت أسمع الازدراء حتى في نبرة صوته. كل منافسيه كانوا، في نظره، صغاراً ومثيرين للشفقة وعديمي الأهمية”.
في روايتها، كان النتانياهو يريد دائماً أن يكون هو من يحدد إيقاع الحدث، وحين يشعر بأن أزمة ما تهدد صورته، يستقتل لاستعادة السيطرة على “السردية” الإعلامية، حتى لو كان الثمن هو اتخاذ خطوة تبدو انتحاراً سياسياً.
وهذا ما حدث بالضبط في واقعة “الشريط الساخن” التاريخية.
كان النتنياهو آنذاك يخوض معركة على زعامة الليكود، بعد هزيمة اليميني المتطرف ‘إسحق شامير’ اللافتة أمام ‘إسحق رابين’ في انتخابات 1992. وكان ‘دافيد ليفي’ أبرز منافسيه.
وفي مساء 14 يناير 1993، تلقت سارة نتانياهو اتصالاً هاتفياً من مجهول أبلغها بأن زوجها على علاقة بامرأة أخرى، وأن هناك شريط فيديو يوثق العلاقة، وأن نشره سيكون مشروطاً بانسحاب النتنياهو من سباق زعامة الليكود.
لكن ‘بيبي’ فاجأ الجميع بالتوجه إلى استوديو القناة الأولى، التي كانت آنذاك المحطة التلفزيونية الوحيدة في إسرائيل، وظهر على الهواء مباشرة ليعلن أنه أقام “علاقة خارج الزواج”، وأنه يتعرض لمحاولة “ابتزاز” بشريط مزعوم، موجّها أصابع الاتهام بصورة غير مباشرة إلى خصمه ‘ليفي’، وإلى “عصابة” سياسية تستخدم أساليب التجسس والتنصت.
وفي هذا السياق، لم تكن ‘روث بار’ مجرد شاهدة بل كانت العشيقة التي تدور الدراما حولها.
والمفارقة أن ذلك الشريط لم يظهر أبداً.
لكنها ترفض اليوم الخوض في تفاصيل علاقتها الغرامية بالنتنياهو، مكتفيةً بالقول إن العلاقة “لم تكن نزوة عابرة”، وإنها استمرت تقريباً طوال فترة علاقتهما المهنية التي تجاوزت ثلاث سنوات، وانتهت مع الفضيحة التلفزيونية في يناير 1993.
ومع ذلك، فإن شهادة ‘روث بار’ أكثر من مجرد استعادة ذكريات فضيحة هزّت صعود النتنياهو في مستهل مشواره نحو السلطة وأدمت جمهور ناخبيه، لأنها تسلط الضوء علي خبايا شخصية مهووسة بالصورة وشعور مرضي بالتفوق، بينما تكشف بعين خبيرة “عاشرته” عن قرب كيف يلجأ لتكنيك “السيطرة على الرواية” كلما ضاقت به الدنيا وتهددت فرص فوزه بالقمة.
وهو ما ينسحب اليوم أيضاً على أسلوبه في التعامل مع ورطته الانتخابية عبر تطويع “سردية” الانتصار في حروبه المفتوحة على الأعداء من غزة إلى إيران.