
كتب:هاني الكنيسي
طفا اسم جبهة “أولي البأس” إلى الواجهة مجددا، مع إعلانها الشهر الماضي استهداف قاعدة إسرائيلية داخل “ثكنة الجزيرة” في حوض اليرموك غربي درعا السورية.
وتسلّطت عليها أضواء الإعلام العبري بعد تداول ما وُصف بأنه “تقرير أمني مسرّب” (دون توضيح مصدر التسريب)، يتهمها بالارتباط بشبكة إعلامية وتمويلية تجمع شخصيات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين وأخرى كانت على صلة بحزب الله اللبناني.
الجبهة الغامضة نفت الاتهامات، مؤكدة عبر بيان نشرته على قناتها في 28 أغسطس الماضي، أنها لم تعقد أي اجتماعات تنسيقية مع جماعة الإخوان المسلمين في بلدة “خربة غزالة” بريف درعا، وأن قرارها “سوري مستقل لا يتبع أي تنظيم أو أجندات خارجية”.
لكن خطابها ورموزها البصرية القريبة من هوية حزب الله والحرس الثوري، وشعارها المستند إلى مفهوم “وحدة الساحات”، وإعلان الجبهة في إحدى رسائلها تضامنها مع جماعة “أنصار الله” (أي الحوثيين) في اليمن، وكذلك دعوتها العلنية إلى تعزيز التنسيق بين “قوى المقاومة” في إيران والعراق ولبنان وسوريا .. كل تلك الإشارات تثير تساؤلات بشأن الجهات الحقيقية التي تقف وراء “أولي البأس”.
التشكيل المسلح ظهر في جنوب سوريا للمرة الأولى في 7 يناير 2025، أي بعد شهر من فرار بشار الأسد، تحت اسم “جبهة تحرير الجنوب”، حين وجّهت عبر تطبيق “تلغرام” إنذارًا لإسرائيل مدته 48 ساعة للانسحاب من الأراضي السورية التي توغلت فيها عقب سقوط النظام، متوعدة بمواجهتها بأسلحة قالت إنها استولت عليها من مخلفات الجيش السوري السابق.
وبعد أسابيع، غيّرت الجماعة اسمها إلى “جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا – أولي البأس”، وذاع صيتها في 31 يناير 2025 حين أعلنت استهداف قوات إسرائيلية في بلدة طرنجة بريف القنيطرة، وهو ما أكده الجيش الإسرائيلي لاحقًا.
الناطق باسم “أولي البأس”، الذي يقدّم نفسه باسم “النقيب مقداد”، وصف الجبهة بأنها “ليست حركة عابرة، بل تنظيم متكامل”، له “مكاتب مختصة” سياسية وإعلامية واجتماعية وعسكرية، بل ومكتب قانوني خارج سوريا يعمل على رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية موثقة بأدلة على “انتهاكات” إسرائيلية.
وبينما أفادت تقارير إعلامية بأن قائد الجبهة يستخدم اسم “أبو جهاد رضا”، أشارت بعض المصادر لضابط سوري سابق يدعى ‘رضا حسين’.
لكن المعلومات المتعلقة بقيادتها الفعلية وعدد عناصرها وانتشارها الميداني تظل محدودة، ولا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
في مايو 2025، أعلنت الجبهة عقد “مؤتمر استثنائي” في موقع سري قرب دمشق شارك فيه نحو 200 شخص، وأُعلن في ختامه تشكيل “مجلس عسكري موحد” يضم مجموعات من بينها “درع الساحل” و”سرايا العرين” وتشكيلات تصف نفسها بـ”المقاومة الشعبية”، على أن تكون “أولي البأس” نواة لهذا المشروع.
إلا أن مزاعم ارتباط الجبهة بفلول النظام السابق اكتسبت زخمًا من سوابق ميدانية شبه موثقة. ففي 6 مارس 2025، صدر بيان مشترك بين “أولي البأس” ولواء “درع الساحل” أكدا فيه تصديهما لما وصفاه بـ”عصابات الإرهاب التكفيري”، في إشارة إلى قوات الحكومة السورية الانتقالية، بلغة تتقاطع مع خطاب نظام الأسد ضد فصائل الثورة والمعارضة. وقد تزامن ذلك مع تمرد مسلح لفلول النظام في مناطق الساحل السوري.
ورغم أن قياديين في الجبهة نفوا تبعيتها لإيران أو خضوعها للسلطة الانتقالية في دمشق، مؤكدين وجود “مسافة واضحة” بينهما بسبب موقف حكومة الشرع من التطبيع مع إسرائيل، فقد نشرت مجلة ‘نيوزويك’ في أبريل 2025، حوارًا حصريًا مع “شخصيات من أولي البأس”، وصفت فيه المجموعة نفسها بأنها جزء من “محور المقاومة” في مواجهة ما تسميه “جبهة الشر العالمي” بقيادة الولايات المتحدة، معتبرة أن الوجود الإسرائيلي والتركي في سوريا يخدم المصالح الأمريكية، وهو خطاب رأت فيه الصحيفة الأمريكية مؤشرًا محتملاً على “سعي إيران للحفاظ على موطئ قدم في سوريا” عبر واجهات محلية جديدة.
في المقابل، يشكك سكان محليون بحجم الحضور الميداني الفعلي للجبهة، مؤكدين أن عددًا من المواجهات التي تبنتها كانت أصلاً ردود فعل شعبية عفوية قادها أبناء القرى في مواجهة التوغلات الإسرائيلية، دون أي تنسيق مسبق مع تنظيم منظم.
ففي بلدة ‘كويا’ بريف درعا، نفى شهود ارتباط المسلحين الذين اشتبكوا مع القوات الإسرائيلية بـ”أولي البأس”، مؤكدين أنهم مزارعون استخدموا أسلحتهم الشخصية للدفاع عن أراضيهم، قبل أن تتبنى الجبهة لاحقًا مقتل أربعة من “مقاتليها” في تلك المواجهات. بينما أعلنت الخارجية السورية أن ستة مواطنين سوريين قُتلوا برصاص القوات الإسرائيلية في الحادثة ذاتها.
وتتكرر روايات مشابهة في بلدتي نوى وطرنجة، ما يعزز فرضية أن الحضور الإعلامي للجماعة قد يفوق حجمها العملياتي الحقيقي على الأرض.
وقد نقلت ‘نيوزويك’ عن مسؤول عسكري إسرائيلي اعترافه بوقوع “حوادث تكتيكية لكنها مهمة” على أرض سورية، تضمنت اشتباكات “مسلحين” مع القوات الإسرائيلية.
أما التقرير الأمني “المسرّب” والمتداول بكثافة في الإعلام العبري، فيذهب إلى الزعم بوجود “خلية” في “خربة غزالة” تضم ناشطين وإعلاميين وشخصيات سياسية عملت على بناء “منظومة إعلامية”، توفر غطاء سياسيًا وشعبيًا لنشاط الجبهة.
كما يتضمن التقرير مزاعم أخطر عن توقيف شخص قرب مكتب لتحويل الأموال في درعا بحوزته 50 ألف دولار، يُدّعى أنها جزء من حوالة مرسلة من السعودية لتمويل النشاط الإعلامي لتلك الخلية، وعن وصول مسيّرات من طراز “شاهد-136” الإيرانية وأجهزة توجيه من لبنان، إلى جانب إرسال عناصر من “حوض اليرموك” لتلقي تدريبات في مناطق نفوذ حزب الله.
غير أن أيًا من تلك الادعاءات لم يُسند بوثائق أو سجلات حوالات أو محاضر توقيف أو صور تسلسلية للمسيّرات المزعومة، كما لم تُصدر وزارة الدفاع السورية أو الأجهزة الأمنية الرسمية أي تأكيد بضبط مثل تلك المعدات أو توقيف المشتبه بهم.
ومن بين هذه الروايات المتضاربة، تطل ثلاثة تفسيرات محتملة بشأن حقيقة “أولي البأس”:
أولها، أنها مجموعة محلية محدودة نشأت كرد فعل تلقائي على التوغل الإسرائيلي ثم اكتست لاحقًا هوية إعلامية مستعارة من “محور المقاومة”.
وثانيها، أنها في جوهرها منصة إعلامية ذات وجود عسكري هامشي، تتبنى مواجهات ينفذها سكان محليون لتضخيم حضورها واستقطاب أعضاء جدد.
أو ثالثًا أنها، كما يفترض التقرير الأمني المسرَّب، واجهة لشبكة أوسع تجمع فلول النظام السابق وفصائل محلية وشخصيات مرتبطة بحزب الله والإخوان المسلمين في محاولة لإعادة بناء نفوذ إيراني متعثر جنوب سوريا.
المعطيات المتاحة لا تسمح بحسم أي من تلك الاحتمالات؛ وإلى أن تظهر براهين محددة -من نوعية سجلات تحويلات مالية موثقة، ومحاضر تحقيق قضائي مستقلة، وأدلة مادية على مسارات نقل السلاح والمسيّرات، وتحديد واضح لهوية القيادات الفعلية- سيظل السؤال الأهم معلقًا: هل تمثل “أولي البأس” فعلاً نواة مشروع يعيد تموضع “محور المقاومة” في سوريا ما بعد الأسد، أم أنها تنظيم محدود الحجم نجح خطابه الإعلامي في تضخيم صورته بما يفوق حقيقة وجوده على الأرض؟!