
إن ما تشهده الضالع من تكرار لحوادث القتل واستهداف الناس، حادثة بعد أخرى، لم يعد مجرد أحداث أمنية عابرة يمكن تجاوزها ببيان استنكار، بل أصبح خطرًا حقيقيًا يهدد أمن المجتمع وسلامه، ويستدعي موقفًا واضحًا وحازمًا يضع حدًا لهذا العبث.
فحين تصبح حياة الإنسان رخيصة إلى هذا الحد، يصبح الصمت موقفًا لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها.
لا دين ولا عرف ولا قانون يبرر قتل إنسان بدم بارد، ولا خلاف سياسي أو اصطفاف عسكري يمكن أن يمنح أحدًا الحق في استباحة الدماء.
فالدم ليس وجهة نظر، وحياة الناس ليست ساحة لتصفية الحسابات، وأمن المحافظة ليس ملكًا لطرف أو جماعة.
ومن أكثر ما يبعث على الألم والأسئلة أن يكون الضحايا جنودًا عائدين إلى منازلهم بعد مشاركتهم في أحداث المخا، ينتمون إلى قوات طارق صالح، فإذا بهم يجدون الموت في طريق العودة، وتستقبلهم رصاصات مجهولين بدل أن تستقبلهم أسرهم وبيوتهم.
وبصرف النظر عن أي اختلاف سياسي أو عسكري، يبقى السؤال الأخلاقي والوطني قائمًا: أي ذنب ارتكبه هؤلاء حتى تكون نهايتهم بهذه الطريقة؟
هؤلاء كانوا جنودًا في جبهة من جبهات القتال، يؤدون ما يرونه واجبًا وطنيًا، ولم يكونوا عائدين إلى مواجهة أهلهم أو الاعتداء على مجتمعهم.
ومن هنا لا بد أن نقولها بوضوح: من يقاتل في الساحل هو من أبناء الضالع، ومن يدافع عن البحر والميناء وباب المندب يدافع عن وطنه، ومن يقف في أي جبهة دفاعًا عن البلاد يخوض، في نهاية المطاف، جزءًا من معركة وطنية يفترض أن تكون معركة الجميع.
لا يجوز أن تتحول الخلافات السياسية إلى خصومات مع الوطن، ولا أن يصبح الانتماء إلى قوة عسكرية معينة مبررًا لاستباحة صاحبها.
لا أحد يملك صكوك الوطنية ليمنحها لهذا ويسلبها من ذاك، ولا أحد يحق له أن يجعل من الخلاف السياسي مبررًا للقتل.
لقد أنهكت الحرب اليمنيين بما يكفي، واستنزفت أعمارهم وأمنهم وبيوتهم وأبناءهم، وليس من العقل أن نخرج من جبهة لنفتح جبهة أخرى داخل المجتمع، أو أن نحاول معالجة جراح الحرب بمزيد من الجراح. الجروح لا تُداوى بالجروح، والانتكاسات لا تُعالج بإنتاج انتكاسات جديدة.
ولهذا فإن تكرار جرائم القتل في الضالع لا ينبغي أن يمر باعتباره أمرًا اعتياديًا.
فكل جريمة بلا حسم تفتح الباب لجريمة أخرى، وكل تجاوز بلا عقاب يبعث رسالة خطيرة بأن الدم يمكن أن يُهدر بلا حساب.
المطلوب ليس المزيد من الغضب والاستنكار والبيانات، وإنما إجراءات واضحة وملموسة، وتحقيقات جادة، وكشف ملابسات الجرائم، والوصول إلى الجناة، وتقديمهم للعدالة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أيًا كان اسمه أو انتماؤه أو موقعه.
ومن الإنصاف هنا ألا نحمل السلطة المحلية مسؤولية كل جريمة تقع في المحافظة، وألا نطلق الاتهامات جزافًا أو من دون أدلة.
لكن في المقابل، فإن عدم تحميلها المسؤولية الكاملة لا يعني إعفاءها من واجبها ومسؤوليتها في حماية الأمن والاستقرار، وفرض القانون، ومنع تكرار مثل هذه الجرائم.
وهنا يظهر دور المحافظ أحمد القُبّة بصورة أكثر أهمية، فالرجل يدير محافظة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها تحديات أمنية وسياسية واجتماعية كبيرة، وتحيط بها ضغوط متعددة.
وفي مثل هذه الظروف، فإن التعامل مع القيادة المحلية يجب ألا يكون بمنطق التشهير أو دفعها إلى الزاوية، وإنما بمنطق الإسناد والمطالبة في الوقت ذاته بمزيد من الحزم والفاعلية.
إن تحرك المحافظ والإجراءات التي اتخذتها السلطة المحلية لاحتواء الموقف والحفاظ على السلم الاجتماعي ينبغي أن تؤخذ بجدية، وأن تجد الدعم والإسناد من أبناء المحافظة، خصوصًا عندما يكون الهدف منها منع الانفلات وحماية الناس والحفاظ على استقرار الضالع.
والوقوف إلى جانب المحافظ في هذه المرحلة لا يعني تفويضًا مفتوحًا، ولا يعني إسقاط حق المجتمع في النقد والمساءلة، وإنما يعني الاصطفاف مع استقرار المحافظة ودعم كل خطوة جادة تحمي الناس وتفرض القانون.
فالمحافظ بحاجة إلى مجتمع يسنده في مواجهة التعقيدات، والمجتمع في المقابل بحاجة إلى قيادة حازمة قادرة على تحويل الغضب إلى إجراءات، والقلق إلى أمن، والاستنكار إلى عدالة.
المطلوب من القيادة المحلية اليوم أن تكون على مستوى اللحظة، وأن تدرك أن هيبة الدولة لا تُستعاد بالكلام، وإنما بالفعل، وأن القانون لا تكون له قيمة إذا لم يُطبق على من يثبت تورطه في قتل الناس أو تهديد أمن المجتمع.
وفي المقابل، فإن أبناء الضالع مطالبون بأن يكونوا على قدر المسؤولية، وأن يقفوا صفًا واحدًا خلف أمن محافظتهم واستقرارها، لا أن ينجروا إلى مزيد من الانقسامات والتجاذبات.
فالمحافظة أكبر من الخلافات، وأمن الناس أكبر من الاصطفافات، ومستقبل الضالع لا يحتمل مغامرات جديدة.
أما غضب أهالي الضحايا، فهو مفهوم ومشروع، ولا يمكن مطالبة أسرة فقدت أحد أبنائها بأن تتعامل مع الفاجعة وكأن شيئًا لم يحدث.
من حقهم أن يغضبوا، ومن حقهم أن يطالبوا بالحقيقة والعدالة، لكن الطريق إلى العدالة يجب أن يكون عبر القانون، لا عبر الفوضى والثأر؛ لأن الثأر لا يعيد الضحايا، وإنما يصنع ضحايا جددًا ويفتح دائرة يصعب إغلاقها.
نحن لا نريد ثأرًا، بل نريد عدالة، لا نريد فوضى، بل نريد قانونًا. لا نريد جبهات جديدة، بل نريد أن تتوحد الجهود في المعركة التي تجمعنا.
فالذي يقاتل في الساحل ليس عدوًا لمجرد أنه ينتمي إلى قوة مختلفة، والذي يدافع عن البحر والميناء وباب المندب لا ينبغي أن يصبح هدفًا بسبب خلاف سياسي.
الوطن أكبر من الاصطفافات، وأمنه أكبر من الحسابات الضيقة، والدم اليمني أغلى من أن يتحول إلى أداة في صراع داخلي.
لقد آن الأوان أن يتوقف هذا العبث، آن الأوان أن تتقدم دولة القانون، وأن تكون العدالة هي الطريق الوحيد، وأن يعرف كل من تسول له نفسه المساس بأمن الناس أن للدم حرمة، وللقانون هيبة، وللمجتمع حقًا في الأمن والاستقرار.
فالضالع اليوم بحاجة إلى تثبيت الصفوف لا إلى تشظيها، وإلى رفع المعنويات لا كسرها، وإلى حماية مكتسباتها لا تبديدها، وإلى إغلاق أبواب الفوضى لا فتح جبهات جديدة داخلها.
المعركة واحدة، والوطن واحد، والجرح واحد، والضحايا ضحايا الجميع.
ومن يقاتل في الجبهات دفاعًا عن الوطن يجب ألا يجد في طريق عودته إلى منزله جبهة أخرى تستهدفه من الداخل.
ومن يحمي الوطن في ميادين القتال، يجب أن نحميه أيضًا من الاقتتال الداخلي.
فكفى عبثًا بالدماء، وكفى مزايدة على الوطنية، وكفى فتحًا لأبواب لا تخدم إلا الفوضى.
الضالع تستحق الأمن، وأبناؤها يستحقون الحياة، ودماؤهم ليست للمساومة.